البيانابحثاسألالموضوعات

سورة البقرة · الآية ١٢٨

﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم. ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. { وأرنا مناسكنا } أي: علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى التوبة، قالا: { وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم }. { ربنا وابعث فيهم } أي: في ذريتنا { رسولا منهم } ليكون أرفع لدرجتهما، ولينقادوا له، وليعرفوه حقيقة المعرفة. { يتلوا عليهم آيتك } لفظا، وحفظا، وتحفيظا، { ويعلمهم الكتب والحكمة } معنى. { ويزكيهم } بالتربية على الأعمال الصالحة، والتبري من الأعمال الردية التي لا تزكي النفوس معها { إنك أنت العزيز } أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته شيء { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك ابعث فيهم هذا الرسول، فاستجاب الله لهما فبعث الله هذا الرسول الكريم، الذي رحم الله به ذريتهما خاصة، وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " أنا دعوة أبي إبراهيم ". ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم، وأخبر عن صفاته الكاملة، قال تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ١٢٧–١٢٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال الحسن البصري: قوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وعهدنا إلى إبراهيم} أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عدي بإلى، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} قال: من الأوثان. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {طهرا بيتي للطائفين} إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: {أن طهرا بيتي} أي: بلا إله إلا الله، من الشرك. وأما قوله تعالى: {للطائفين} فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: {للطائفين} يعني: من أتاه من غربة، {والعاكفين} المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير. وقال يحيى [بن] (1) القطان، عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عن عطاء في قوله: {والعاكفين} قال: من انتابه (2) من الأمصار فأقام عنده (3) وقال لنا -ونحن مجاورون-: أنتم من العاكفين. وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان جالسا فهو من العاكفين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٤١٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الإسلام الخضوع لله بالطاعة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٥٦٥) ↗

التحرير والتنوير

الدنيا ملاذ على وجه الاستدراج، والمسألة معدودة في مسائل الخلاف بين الأشعري والماتريدي، ويشبه أن يكون الخلاف بينهما لفظيا وإن عده السبكي في عداد الخلاف المعنوي. وقوله: ثم أضطره إلى عذاب النار احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذكر العذاب هنا. و (ثم) للتراخي الرتبي كشأنها في عطف الجمل من غير التفات إلى كون مصيره إلى العذاب متأخرا عن تمتيعه بالمتاع القليل. والاضطرار في الأصل الالتجاء وهو بوزن افتعل مطاوع أضره إذا صيره ذا ضرورة أي حاجة، فالأصل أن يكون اضطر قاصرا لأن أصل المطاوعة عدم التعدي ولكن الاستعمال جاء على تعديته إلى مفعول وهو استعمال فصيح غير جار على قياس يقال اضطره إلى كذا أي ألجأه إليه، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان [24] : نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ. وقوله: وبئس المصير تذييل والواو للاعتراض أو للحال والخبر محذوف هو المخصوص بالذم وتقديره هي. [127] 127] وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) هذه منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام، وتذكير بشرف الكعبة، ووسيلة ثالثة إلى التعريض بالمشركين بعد قوله: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة [البقرة: 128] إلخ، وتمهيد للرد على اليهود إنكارهم استقبال الكعبة الذي يجيء عند قوله تعالى: سيقول السفهاء [البقرة: 142] ولأجل استقلالها بهاته المقاصد الثلاثة التي تضمنتها الآيات قبلها عطفت على سوابقها مع الاقتران بإذ تنبيها على الاستقلال. وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع لاستحضار الحالة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٧١٧) ↗