سورة البقرة · الآية ١١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان علم كذبهم بتلك الدعوى. ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد، فقال: { بلى } أي: ليس بأمانيكم ودعاويكم، ولكن { من أسلم وجهه لله } أي: أخلص لله أعماله، متوجها إليه بقلبه، { وهو } مع إخلاصه { محسن } في عبادة ربه، بأن عبده بشرعه، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم. فلهم أجرهم عند ربهم وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم، { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرهوب. ويفهم منها أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ١١١–١١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ولا بينة، فقال {تلك أمانيهم} وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس. ثم قال: {قل} أي: يا محمد، {هاتوا برهانكم} وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بينتكم على ذلك. {إن كنتم صادقين} كما تدعونه (1) . ثم قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} الآية [آل عمران: 20] . وقال أبو العالية والربيع: {بلى من أسلم وجهه لله} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بلى من أسلم} أخلص، {وجهه} قال: دينه، {وهو محسن} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن للعمل (2) المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، عليه السلام. فعمل الرهبان ومن شابههم -وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله-فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعا للرسول [محمد] (3) صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] ، وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] . وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي. وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] ، وقال تعالى: {فويل للمصلين* الذين هم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 112]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٤٣١) ↗التحرير والتنوير
… عند الله ولذلك اقتصر على قوله: عند الله قال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وقوله تعالى: إن الله بما تعملون بصير تذييل لما قبله. والبصير العليم كما تقدم، وهو كناية عن عدم إضاعة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم القدير إذا علم شيئا فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه عجز، وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيدا لغيرهم لأنه إذا كان بصيرا بما يعمل المسلمون كان بصيرا بما يعمل غيرهم. [111، 112] وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) عطف على ود كثير [البقرة: 109] وما بينهما من قوله: فاعفوا واصفحوا [البقرة: 109] الآية اعتراض كما تقدم. والضمير لأهل الكتاب كلهم من اليهود والنصارى بقرينة قوله بعده: إلا من كان هودا أو نصارى. ومقول القول مختلف باختلاف القائل فاليهود قالت لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى قالت لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، جمع القرآن بين قوليهما على طريقة الإيجاز بجمع ما اشتركا فيه وهو نفي دخول الجنة عن المستثنى منه المحذوف لأجل تفريع الاستثناء، ثم جاء بعده تفريق ما اختص به كل فريق وهو قوله: هودا أو نصارى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٦٧٢) ↗