البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ٩٠

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { لقد جئتم شيئا إدا } أي: عظيما وخيما، من عظيم أمره أنه { تكاد السموت } على عظمتها وصلابتها { يتفطرن منه } أي: من هذا القول { وتنشق الأرض } منه، أي: تتصدع وتنفطر { وتخر الجبال هدا } أي: تندك الجبال، { أن دعوا للرحمن } أي: من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات، أن يكون منها ما ذكر. والحال أنه: { ما ينبغي } أي: لا يليق ولا يكون { للرحمن أن يتخذ ولدا } وذلك لأن اتخاذه الولد، يدل على نقصه واحتياجه، وهو الغني الحميد. والولد أيضا، من جنس والده، والله تعالى لا شبيه له ولا مثل ولا سمي. { إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } أي: ذليلا منقادا، غير متعاص ولا ممتنع، الملائكة، والإنس، والجن وغيرهم، الجميع مماليك، متصرف فيهم، ليس لهم من الملك شيء، ولا من التدبير شيء، فكيف يكون له ولد، وهذا شأنه وعظمة ملكه؟!! { لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي: لقد أحاط علمه بالخلائق كلهم، أهل السماوات والأرض، وأحصاهم وأحصى أعمالهم، فلا يضل ولا ينسى، ولا تخفى عليه خافية. { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: لا أولاد، ولا مال، ولا أنصار، ليس معه إلا عمله، فيجازيه الله ويوفيه حسابه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما قال تعالى: ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة [الأنعام: 94].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٨٨–٩٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا} أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن (1) هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظاما للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد: وفي كل شيء له آية %~% تدل على أنه واحد قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا} قال: إن الشرك (2) فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة". قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: "تلك أوجب وأوجب". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرضين (3) وما فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" (4) هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم. وقال الضحاك: {تكاد السماوات يتفطرن منه} أي: يتشققن فرقا (5) من عظمة الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وتنشق الأرض} أي: غضبا لله، عز وجل. {وتخر الجبال هدا} قال ابن عباس: هدما. وقال سعيد بن جبير: {هدا} ينكسر بعضها على بعض متتابعات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون بن (6) عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر الله عز وجل (7) ؟ فيقول: نعم، ويستبشر. قال عون: لهي (8) للخير أسمع، أفيسمعن (9) الزور والباطل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

ومعنى لا يملكون لا يستطيعون، فإن الملك يطلق على المقدرة والاستطاعة. وقد تقدم عند قوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا في سورة العقود [76] . [88- 95] وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) عطف على جملة ويقول الإنسان أإذا ما مت [مريم: 66] أو على جملة واتخذوا من دون الله آلهة [مريم: 81] إتماما لحكاية أقوالهم، وهو القول بأن لله ولدا، وهو قول المشركين: الملائكة بنات الله. وقد تقدم في سورة النحل وغيرها فصريح الكلام رد على المشركين، وكنايته تعريض بالنصارى الذين شابهوا المشركين في نسبة الولد إلى الله، فهو تكملة للإبطال الذي في قوله تعالى آنفا: ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه [مريم: 35] إلخ. والضمير عائد إلى المشركين، فيفهم منه أن المقصود من حكاية قولهم ليس مجرد الإخبار عنهم، أو تعليم دينهم ولكن تفظيع قولهم وتشنيعه، وإنما قالوا ذلك تأييدا لعبادتهم الملائكة والجن واعتقادهم شفعاء لهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٦٩) ↗