البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة مريم · الآية ٦١

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون المتبعون لمراضي ربهم، المنيبون إليه، ذكر من أتى بعدهم، وبدلوا ما أمروا به، وأنه خلف من بعدهم خلف، رجعوا إلى الخلف والوراء، فأضاعوا الصلاة التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها، فتهاونوا بها وضيعوها، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين، التي هي آكد الأعمال، وأفضل الخصال، كانوا لما سواها من دينهم أضيع، وله أرفض، والسبب الداعي لذلك، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإراداتها فصارت هممهم منصرفة إليها، مقدمة لها على حقوق الله، فنشأ من ذلك التضييع لحقوقه، والإقبال على شهوات أنفسهم، مهما لاحت لهم حصلوها، وعلى أي: وجه اتفقت تناولوها. { فسوف يلقون غيا } أي: عذابا مضاعفا شديدا، ثم استثنى تعالى فقال: { إلا من تاب } عن الشرك والبدع والمعاصي، فأقلع عنها وندم عليها، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها، { وآمن } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، { وعمل صالحا } وهو العمل الذي شرعه الله على ألسنة رسله، إذا قصد به وجهه، { فأولئك } الذي جمعوا بين التوبة والإيمان، والعمل الصالح، { يدخلون الجنة } المشتملة على النعيم المقيم، والعيش السليم، وجوار الرب الكريم، { ولا يظلمون شيئا } من أعمالهم، بل يجدونها كاملة، موفرة أجورها، مضاعفا عددها. ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخولها، ليست كسائر الجنات، وإنما هي جنات عدن، أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها، ولا حول ولا زوال، وذلك لسعتها، وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور، والبهجة والحبور. { التي وعد الرحمن عباده بالغيب } أي: التي وعدها الرحمن، أضافها إلى اسمه { الرحمن } لأن فيها من الرحمة والإحسان، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب [بشر]. وسماها تعالى رحمته، فقال: وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون [آل عمران: 107]. وأيضا ففي إضافتها إلى رحمته، ما يدل على استمرار سرورها، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا} أي: هذه (1) الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا. وقوله: {إلا سلاما} استثناء منقطع، كقوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26] (2) وقوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن (3) هناك ليلا أو نهارا (4) ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون (5) فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم (6) الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقيهما (7) من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا". أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به (8) وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن (9) ابن إسحاق، حدثني الحارث بن (10) فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا" (11) تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} قال: مقادير الليل والنهار. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وبفتح (12) الأبواب. وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خليد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إعادته. وقوله: {التي وعد الرحمن عباده بالغيب} [مريم: 61] يقول: هذه الجنات هي الجنات التي وعد الرحمن عباده المؤمنين أن يدخلوها بالغيب، لأنهم لم يروها ولم يعاينوها، فهي غيب لهم. وقوله: {إنه كان وعده مأتيا} [مريم: 61] يقول تعالى ذكره: إن الله كان وعده، ووعده في هذا الموضع موعوده، وهو الجنة مأتيا يأتيه أولياؤه وأهل طاعته الذين يدخلهموها الله. وقال بعض نحويي الكوفة: خرج الخبر على أن الوعد هو المأتي، ومعناه: أنه هو الذي يأتي، ولم يقل: وكان وعده آتيا، لأن كل ما أتاك فأنت تأتيه، وقال: ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت علي خمسون سنة، وكل ذلك صواب، وقد بينت القول فيه،

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٧٥) ↗

التحرير والتنوير

اقتداء بهم عند تلاوة الآيات التي أنزلت إلينا. وأثنت على سجودهم قصدا للتشبه بهم بقدر الطاقة حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم. وقد سجد النبيء صلى الله عليه وسلم عند هذه الآية وسن ذلك لأمته. [59- 63] فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) فرع على الثناء عليهم اعتبار وتنديد بطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح أسلافهم وهم المعني بالخلف. والخلف- بسكون اللام- عقب السوء، وبفتح اللام- عقب الخير. وتقدم عند قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب في سورة الأعراف [169] . وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلت لأنها راجعة في النسب إلى إدريس جد نوح إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضا إلى إبراهيم، فمنهم من يدلي إليه من نسل إسماعيل وهم العرب. ومنهم من يدلي إليه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٣٤) ↗