سورة مريم · الآية ٥٢
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: واذكر في هذا القرآن العظيم موسى بن عمران، على وجه التبجيل له والتعظيم، والتعريف بمقامه الكريم، وأخلاقه الكاملة، { إنه كان مخلصا } قرئ بفتح اللام، على معنى أن الله تعالى اختاره واستخلصه، واصطفاه على العالمين. وقرئ بكسرها، على معنى أنه مخلص لله تعالى، في جميع أعماله، وأقواله، ونياته، فوصفه الإخلاص في جميع أحواله، والمعنيان متلازمان، فإن الله أخلصه لإخلاصه، وإخلاصه موجب لاستخلاصه، وأجل حالة يوصف بها العبد، الإخلاص منه، والاستخلاص من ربه، { وكان رسولا نبيا } أي: جمع الله له بين الرسالة والنبوة، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل، وتبليغ جميع ما جاء به من الشرع، دقه وجله. والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، والرسالة بينه وبين الخلق، بل خصه الله من أنواع الوحي، بأجل أنواعه وأفضلها، وهو: تكليمه تعالى وتقريبه مناجيا لله تعالى، وبهذا اختص من بين الأنبياء، بأنه كليم الرحمن، ولهذا قال: { وناديناه من جانب الطور الأيمن } أي: الأيمن من موسى في وقت مسيره، أو الأيمن، أي: الأبرك من اليمن والبركة. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: أن بورك من في النار ومن حولها [النمل: 8] { وقربناه نجيا } والفرق بين النداء والنجاء، أن النداء هو الصوت الرفيع، والنجاء ما دون ذلك، وفي هذه إثبات الكلام لله تعالى وأنواعه، من النداء، والنجاء، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا لمن أنكر ذلك، من الجهمية، والمعتزلة، ومن نحا نحوهم. وقوله: { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } هذا من أكبر فضائل موسى وإحسانه، ونصحه لأخيه هارون، أنه سأل ربه أن يشركه في أمره، وأن يجعله رسولا مثله، فاستجاب الله له ذلك، ووهب له من رحمته أخاه هارون نبيا. فنبوة هارون تابعة لنبوة موسى عليهما السلام، فساعده على أمره، وأعانه عليه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٥١–٥٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي: {وقربناه نجيا} قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وقربناه نجيا} قال: نجا بصدقه (1) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الوصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجيا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئا. وقوله: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيا، كما قال في الآية الأخرى: {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون} [القصص: 34] ، وقال (2) : {قد أوتيت سؤلك يا موسى} [طه: 36] ، وقال: {فأرسل إلى هارون. ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 13، 14] ؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} . قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قوله: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} ، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته. وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقا، عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي، به. هذا (3) ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه {كان صادق الوعد} قال (4) ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني: ما التزم قط عبادة (5) بنذر إلا قام بها، ووفاها حقها. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه، أن إسماعيل النبي، عليه السلام، وعد رجلا مكانا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٥٨) ↗التحرير والتنوير
وقد رتب جزاء الله إبراهيم على نبذه أهل الشرك ترتيبا بديعا إذ جوزي بنعمة الدنيا وهي العقب الشريف، ونعمة الآخرة وهي الرحمة، وبأثر تينك النعمتين وهو لسان الصدق، إذ لا يذكر به إلا من حصل النعمتين. وتقدم اختلاف القراء في نبيئا عند ذكر إبراهيم عليه السلام. [51- 53] 53] واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) أفضت مناسبة ذكر إبراهيم ويعقوب إلى أن يذكر موسى في هذا الموضع لأنه أشرف نبي من ذرية إسحاق ويعقوب. والقول في جملة واذكر وجملة إنه كان كالقول في نظيريهما في ذكر إبراهيم عدا أن الجملة هنا غير معترضة بل مجرد استئناف. وقرأ الجمهور مخلصا بكسر اللام من أخلص القاصر إذا كان الإخلاص صفته. والإخلاص في أمر ما: الإتيان به غير مشوب بتقصير ولا تفريط ولا هوادة، مشتق من الخلوص، وهو التمحض وعدم الخلط. والمراد هنا: الإخلاص فيما هو شأنه، وهو الرسالة بقرينة المقام. وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف بفتح اللام من أخلصه، إذا اصطفاه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٢٦) ↗