سورة مريم · الآية ٥٠
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أجل الكتب وأفضلها وأعلاها، هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم، فإن ذكر فيه الأخبار، كانت أصدق الأخبار وأحقها، وإن ذكر فيه الأمر والنهي، كانت أجل الأوامر والنواهي، وأعدلها وأقسطها، وإن ذكر فيه الجزاء والوعد والوعيد، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة والعدل والفضل، وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون، كان المذكور فيه أكمل من غيره وأفضل، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله في هذه السورة جملة من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم، وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، فقال: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } جمع الله له بين الصديقية والنبوة. فالصديق: كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به، وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح الكامل، وإبراهيم عليه السلام، هو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال: { إذ قال لأبيه } مهجنا له عبادة الأوثان: { يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عينه في حياته؛ ولهذا قال: {وكلا جعلنا نبيا} ، فلو لم يكن يعقوب قد نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" (1) وفي اللفظ الآخر: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (2) وقوله: {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا} : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي، ومالك بن أنس. وقال ابن جرير: إنما قال: {عليا} ؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا} قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة. قال الثوري (1) ، عن عبد العزيز بن رفيع (2) ، عن أبي لبابة (3) قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس. وقرأ الآخرون (4) بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: {إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] . {وكان رسولا نبيا} ، جمع له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي (5) العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين. وقوله: {وناديناه من جانب الطور} أي: الجبل {الأيمن} أي: من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه (6) ، عند شاطئ الوادي. فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه (7) . قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار (8) ، حدثنا يحيى -هو القطان-حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب (9) ، عن سعيد بن جبير، عن ابن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٥٦) ↗التحرير والتنوير
اقتنعوا بإمساكه عنهم، ولذا بين لهم أنه بعكس ذلك يدعو الله الذي لا يعبدونه. وعبر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه للإشارة إلى انفراده من بينهم بعبادة الله تعالى فهو ربه وحده من بينهم، فالإضافة هنا تفيد معنى القصر الإضافي، مع ما تتضمنه الإضافة من الاعتزاز بربوبية الله إياه والتشريف لنفسه بذلك. وجملة عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا في موضع الحال من ضمير وأدعوا أي راجيا أن لا أكون بدعاء ربي شقيا. وتقدم معناه عند قوله ولم أكن بدعائك رب شقيا في هذه السورة [4] . وفي إعلانه هذا الرجاء بين ظهرانيهم تعريض بأنهم أشقياء بدعاء آلهتهم. [49، 50] 50] فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) طوي ذكر اعتزاله إياهم بعد أن ذكر عزمه عليه إيجازا في الكلام للعلم بأن مثله لا يعزم أمرا إلا نفذ عزمه، واكتفاء بذكر ما ترتب عليه من جعل عزمه حدثا واقعا قد حصل جزاؤه عليه من ربه، فإنه لما اعتزل أباه وقومه واستوحش بذلك الفراق وهبه الله ذرية يأنس بهم إذ وهبه إسحاق ابنه، ويعقوب ابن ابنه، وجعلهما نبيئين. وحسبك بهذه مكرمة له عند ربه. وليس مجازاة الله إبراهيم مقصورة على أن وهبه إسحاق ويعقوب، إذ ليس في الكلام ما يقتضي الانحصار، فإنه قد وهبه إسماعيل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٢٣) ↗