البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ٤

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: هذا { ذكر رحمت ربك عبده زكريآ } سنقصه عليك، ونفصله تفصيلا يعرف به حالة نبيه زكريا، وآثاره الصالحة، ومناقبه الجميلة، فإن في قصها عبرة للمعتبرين، وأسوة للمقتدين، ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه، وبأي: سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه. وذلك أن الله تعالى اجتبى واصطفى زكريا عليه السلام لرسالته، وخصه بوحيه، فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين، ودعا العباد إلى ربه، وعلمهم ما علمه الله، ونصح لهم في حياته وبعد مماته، كإخوانه من المرسلين ومن اتبعهم، فلما رأى من نفسه الضعف، وخاف أن يموت، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن، وناداه نداء خفيا، ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصا، فقال: { رب إني وهن العظم مني } أي: وهى وضعف، وإذا ضعف العظم، الذي هو عماد البدن، ضعف غيره، { واشتعل الرأس شيبا } لأن الشيب دليل الضعف والكبر، ورسول الموت ورائده ونذيره، فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب الوسائل إلى الله، لأنه يدل على التبري من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته. { ولم أكن بدعائك رب شقيا } أي: لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة، بل لم تزل بي حفيا ولدعائي مجيبا، ولم تزل ألطافك تتوالى علي، وإحسانك واصلا إلي، وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن سابقا، أن يتمم إحسانه لاحقا. { وإني خفت الموالي من ورآءى } أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، أن لا يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك، وظاهر هذا، أنه لم ير فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين، وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام ونصحه، وأن طلبه للولد، ليس كطلب غيره، قصده مجرد المصلحة الدنيوية، وإنما قصده مصلحة الدين، والخوف من ضياعه، ورأى غيره غير صالح لذلك، وكان بيته …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته (1) : إما (2) ترى رأسي حاكى لونه %~% طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده %~% مثل اشتعال النار في جمر (3) الغضا والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة (4) في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} : قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من {الموالي} على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر: كأن أيديهن في القاع الفرق %~% أيدي جوار يتعاطين الورق (5) وقال الآخر: فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها %~% أو القمر الساري لألقى المقالدا ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي: تغاير الشعر فيه (6) إذ سهرت له %~% حتى ظننت قوافيه ستقتتل (7) وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه كان يقرؤها: "وإني خفت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي (8) من بعدي. وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] (9) بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا، يكون نبيا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده (10) أن يأنف (11) من وراثة عصباته (12) له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز (13) ميراثه دونه دونهم. هذا وجه. الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب (14) يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث، ما

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢١٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٥٢) ↗

التحرير والتنوير

التوجه غالبا، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء. ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفيا، لأنه نداء من يسمع الخفاء. والمراد بالرحمة: استجابة دعائه، كما سيصرح به بقوله: يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى [مريم: 7] . وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء. [4- 6] 6] قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) جملة قال رب إني وهن العظم مني مبنية لجملة نادى ربه [مريم: 3] . وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله: فهب لي من لدنك وليا. وإنما كان ذلك تمهيدا لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد. والله يجيب المضطر إذا دعاه، فليس سؤاله الولد سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر. ووصف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالا ومئالا، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالا مقتضيا للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٦٣) ↗