سورة مريم · الآية ٣٦
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات، عيسى بن مريم، من غير شك ولا مرية، بل قول الحق وكلام الله، الذي لا أصدق منه قيلا، ولا أحسن منه حديثا، فهذا الخبر اليقيني عن عيسى عليه السلام، وما قيل فيه مما يخالف هذا، فإنه مقطوع ببطلانه، وغايته أن يكون شكا من قائله لا علم له به، ولهذا قال: { الذي فيه يمترون } أي: يشكون فيمارون بشكهم، ويجادلون بخرصهم، فمن قائل عنه: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن إفكهم وتقولهم علوا كبيرا، ف { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أي: ما ينبغي ولا يليق، لأن ذلك من الأمور المستحيلة، لأنه الغني الحميد، المالك لجميع الممالك، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه، ولدا؟! { سبحانه } أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص، { إذا قضى أمرا } أي: من الأمور الصغار والكبار، لم يمتنع عليه ولم يستصعب { فإنما يقول له كن فيكون } فإذا كان قدره ومشيئته نافذا في العالم العلوي والسفلي، فكيف يكون له ولد؟!! وإذا كان إذا أراد شيئا قال له: { كن فيكون } فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟! ولهذا أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره، فقال: { وإن الله ربي وربكم } الذي خلقنا، وصورنا، ونفذ فينا تدبيره، وصرفنا تقديره. { فاعبدوه } أي: أخلصوا له العبادة، واجتهدوا في الإنابة، وفي هذا الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والاستدلال بالأول على الثاني، ولهذا قال: { هذا صراط مستقيم } أي: طريق معتدل، موصل إلى الله، لكونه طريق الرسل وأتباعهم، وما عدا هذا، فإنه من طرق الغي والضلال.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٣٤–٣٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
صراط مستقيم} أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوى. وقوله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} أي: اختلفت (1) أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده (2) ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة -وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله -على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم (3) الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه (4) المؤمنين. وقد روي [نحو هذا] (5) عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق: أخبرنا (6) معمر، عن قتادة في قوله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} ، قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا (7) في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل (8) أنت فيه، قال: هو ابن الله -وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله -وهم الإسرائيلية ملوك (9) النصارى، عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} [آل عمران: 21] وقال (10) قتادة: وهم الذين قال الله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابا (11) وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شيء دونه فخلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر: [البحر البسيط] في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة %~% لا يبتغى دونها سهل ولا جبل وإن من قوله {أن يتخذ} [مريم: 35] في موضع رفع بكان. PageEndV15P539 وقوله: {سبحانه} [البقرة: 116] يقول: تنزيها لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٣٨) ↗التحرير والتنوير
36] وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) يجوز أن يكون هذا بقية لكلام جرى على لسان عيسى تأييدا لبراءة أمه وما بينهما اعتراض كما تقدم آنفا. والمعنى: تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب همزة وأن مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل، فإن كان من كلام عيسى فهو تعليل لقوله فاعبدوه على أنه مقدم من تأخير للاهتمام بالعلة لكونها مقررة للمعلول ومثبتة له على أسلوب قوله تعالى: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [الجن: 18] ويكون قوله فاعبدوه متفرعا على قوله إني عبد الله [مريم: 30] بعد أن أردف بما تعلق به من أحوال نفسه. ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد. وتقدير النظم هكذا: فاعبدوا الله لأنه ربي وربكم. ويجوز أن يكون عطفا على قوله بالصلاة والزكاة [مريم: 31] ، أي وأوصاني بأن الله ربي وربكم، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع (أن) . ويجوز أن يكون معطوفا على الحق من قوله قول الحق [مريم: 34] على وجه جعل قول بمعنى قائل، أي قائل الحق وقائل إن الله ربي وربكم، فإن همزة أن يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول. وإن كان مما خوطب النبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله كان بتقدير قول محذوف، أو عطفا على مريم من قوله تعالى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٠٤) ↗