البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الكهف · الآية ٩٢

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا، قاصدا مطلعها، متبعا للأسباب التي أعطاه الله، فوصل إلى مطلع الشمس ف { لشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } أي: وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس، إما لعدم استعدادهم في المساكن، وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، لا تغرب عنهم غروبا يذكر، كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي، فوصل إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض، فضلا عن وصولهم إياه بأبدانهم، ومع هذا، فكل هذا بتقدير الله له، وعلمه به، ولهذا قال: { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي: أحطنا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة وعلمنا معه، حيثما توجه وسار. { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين } قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق، قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان، كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا، لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. { فهل نجعل لك خرجا } أي جعلا { على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي، وهو: إفسادهم في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: { ما مكني فيه ربي خير } أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

على قوم} أي: أمة {لم نجعل لهم من دونها سترا} أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس. قال سعيد بن جبير: كانوا حمرا قصارا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل (1) بن أبي الصلت، سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: {لم نجعل لهم من دونها سترا} قال: إن أرضهم (2) لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا (3) في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال (4) الحسن: هذا حديث سمرة (5) . وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت (6) الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم. وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفترش إحداهما (7) ويلبس الأخرى. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} قال: هم الزنج (8) . وقال ابن جريج في قوله: {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابا لهم (9) حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها (10) جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها. قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. وقوله: {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا} قال مجاهد، والسدي: علما، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5]

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٩٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم أتبع سببا} [الكهف: 89] يعني منزلا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ثم أتبع سببا} [الكهف: 89] منازل الأرض ومعالمها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٨١) ↗

التحرير والتنوير

من ذي القرنين، وإن كان المراد من الحسنى ثواب الآخرة فذلك من أمر الله تعالى وإنما ذو القرنين مخبر به خبرا مستعملا في فائدة الخبر، على معنى. إنا نبشره بذلك، أو مستعملا في لازم الفائدة تأدبا مع الله تعالى، أي أني أعلم جزاءه عندك الحسنى. وعطف عليه وسنقول له من أمرنا يسرا لبيان حظ الملك من جزائه وأنه البشارة والثناء. [89، 90] ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) تقدم خلاف القراء في فأتبع سببا فهو كذلك هنا. ومطلع الشمس: جهة المشرق من سلطانه ومملكته، بلغ جهة قاصية من الشرق حيث يخال أن لا عمران وراءها، فالمطلع مكان الطلوع. والظاهر أنه بلغ ساحل بحر اليابان في حدود منشوريا أو كوريا شرقا، فوجد قوما تطلع عليهم الشمس لا يسترهم من حرها، أي لا جبل فيها يستظلون بظله ولا شجر فيها، فهي أرض مكشوفة للشمس، ويجوز أن يكون المعنى أنهم كانوا قوما عراة فكانوا يتقون شعاع الشمس في الكهوف أو في أسراب يتخذونها في التراب. فالمراد بالستر ما يستر الجسد. وكانوا قد تعودوا ملاقاة حر الشمس، ولعلهم كانوا يتعرضون للشمس ليدفعوا عن أنفسهم ما يلاقونه من القر ليلا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٨) ↗