البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الكهف · الآية ٧٣

﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لفتاه - أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو " يوشع بن نون " الذي نبأه الله بعد ذلك:- { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين } أي: لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم ما ليس عندك، { أو أمضي حقبا } أي: مسافة طويلة، المعنى: أن الشوق والرغبة، حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه. { فلما بلغا } أي: هو وفتاه { مجمع بينهما نسيا حوتهما } وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان، وقد وعد أنه متى فقد الحوت فثم ذلك العبد الذي قصدته، فاتخذ ذلك الحوت سبيله، أي: طريقه في البحر سربا وهذا من الآيات. قال المفسرون: إن ذلك الحوت الذي كانا يتزودان منه، لما وصلا إلى ذلك المكان، أصابه بلل البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيا. فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه: { آتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا مس التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى على وجود مطلبه، وأيضا فإن الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان، سهل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدا مس التعب، فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة، قال له فتاه: { أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت } أي: ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما { فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطن } لأنه السبب في ذلك { واتخذ سبيله في البحر عجبا } أي: لما انسرب في البحر ودخل فيه، كان ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وهو (1) من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر علي فيها، لأنك لم تحط بها خبرا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه (2) أنت. {قال} أي موسى: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} أي: لا تضيق علي وتشدد (3) علي؛ ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت الأولى من موسى نسيانا". يقول تعالى: {فانطلقا} أي: بعد ذلك، {حتى إذا لقيا غلاما فقتله} وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم (1) فقتله، فروي أنه احتز رأسه، وقيل: رضخه بحجر. وفي رواية: اقتطفه بيده. والله أعلم. فلما شاهد موسى، عليه السلام، هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: {أقتلت نفسا زكية} (2) أي صغيرة لم تعمل الحنث (3) ، ولا حملت إثما بعد، فقتلته؟! {بغير نفس} أي: بغير مستند لقتله {لقد جئت شيئا نكرا} أي: ظاهر النكارة. {قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} فأكد أيضا في التذكار بالشرط الأول؛ فلهذا قال له موسى: {إن سألتك عن شيء بعدها} أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة {فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي: قد أعذرت إلي مرة بعد مرة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الله بن زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث (4) مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا" [مثقلة] (5) (6) . يقول تعالى مخبرا عنهما: إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين (7) {حتى إذا أتيا أهل قرية} روى

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٨٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

{لا تؤاخذني بما نسيت} [الكهف: 73] فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: كان هذا الكلام من موسى عليه السلام للعالم معارضة لا أنه كان نسي عهده، وما كان تقدم فيه حين استصحبه بقوله: {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} [الكهف: 70]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٣٨) ↗

التحرير والتنوير

72] قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) استفهام تقرير وتعريض باللوم على عدم الوفاء بما التزم، أي أتقر أني قلت إنك لا تستطيع معي صبرا. ومعي ظرف متعلق ب تستطيع، فاستطاعة الصبر المنفية هي التي تكون في صحبته لأنه يرى أمورا عجيبة لا يدرك تأويلها. وحذف متعلق القول تنزيلا له منزلة اللازم، أي ألم يقع مني قول فيه خطابك بعدم الاستطاعة. [73] قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) اعتذر موسى بالنسيان وكان قد نسي التزامه بما غشي ذهنه من مشاهدة ما ينكره. والنهي مستعمل في التعطف والتماس عدم المؤاخذة، لأنه قد يؤاخذه على النسيان مؤاخذة من لا يصلح للمصاحبة لما ينشأ عن النسيان من خطر. فالحزامة الاحتراز من صحبة من يطرأ عليه النسيان، ولذلك بني كلام موسى على طلب عدم المؤاخذة بالنسيان ولم يبن على الاعتذار بالنسيان، كأنه رأى نفسه محقوقا بالمؤاخذة، فكان كلاما بديع النسيج في الاعتذار. والمؤاخذة: مفاعلة من الأخذ، وهي هنا للمبالغة لأنها من جانب واحد كقوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم [النحل: 61] . و (ما) مصدرية، أي لا تؤاخذني بنسياني.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٧٦) ↗