سورة الكهف · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين [وهؤلاء المضلين]، { خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم } أي: ما أحضرتهم ذلك، ولا شاورتهم عليه، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟! بل المنفرد بالخلق والتدبير، والحكمة والتقدير، هو الله، خالق الأشياء كلها، المتصرف فيها بحكمته، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين، يوالون ويطاعون، كما يطاع الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا، ولم يعاونوا الله تعالى؟! ولهذا قال: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي: معاونين، مظاهرين لله على شأن من الشؤون، أي: ما ينبغي ولا يليق بالله، أن يجعل لهم قسطا من التدبير، لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم، فاللائق أن يقصيهم ولا يدنيهم. ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال، وحكم بجهل صاحبه وسفهه، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة، وأن الله يقول لهم: { نادوا شركآئي } بزعمكم أي: على موجب زعمكم الفاسد، وإلا فبالحقيقة ليس لله شريك في الأرض، ولا في السماء، أي: نادوهم، لينفعوكم، ويخلصوكم من الشدائد، { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } لأن الحكم والملك يومئذ لله، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره. { وجعلنا بينهم } أي: بين المشركين وشركائهم { موبقا } أي: مهلكا، يفرق بينهم وبينهم، ويبعد بعضهم من بعض، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم، وكفرهم بهم، وتبريهم منهم، كما قال تعالى وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين [الأحقاف: 6].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ٥١–٥٢) ↗التحرير والتنوير
والولي: من يتولى، أي يتخذ ذا ولاية بفتح الواو وهي القرب. والمراد به القرب المعنوي، وهو الصداقة والنسب والحلف. و (من) زايدة للتوكيد، أي تتخذونهم أولياء مباعدين لي. وذلك هو إشراكهم في العبادة، فإن كل حالة يعبدون فيها الآلهة هي اتخاذ لهم أولياء من دون الله. والخطاب في أفتتخذونه وما بعده خطاب للمشركين الذين اتخذوه وليا، وتحذير للمسلمين من ذلك. وجملة بئس للظالمين بدلا مستأنفة لإنشاء ذم إبليس وذريته باعتبار اتخاذ المشركين إياهم أولياء، أي بئس البدل للمشركين الشيطان وذريته، فقوله: بدلا تمييز مفسر لاسم (بئس) المحذوف لقصد الاستغناء عنه بالتمييز على طريقة الإجمال ثم التفصيل. والظالمون هم المشركون. وإظهار الظالمين في موضع الإضمار للتشهير بهم، ولما في الاسم الظاهر من معنى الظلم الذي هو ذم لهم. [51] 51] ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51) تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما أفتتخذونه وذريته إلى قوله: بدلا [الكهف: 50] ، فإنهم لما لم يشهدوا خلق السماوات والأرض لم يكونوا شركاء لله في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا أحقاء بأن يعبدوا. وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن الله هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات. والإشهاد: جعل الغير شاهدا، أي حاضرا، وهو هنا كناية عن إحضار خاص، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه. ونفي هذا الشهود يستلزم نفي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٤٢) ↗