سورة الكهف · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حال يوم القيامة، وما فيه من الأهوال المقلقة، والشدائد المزعجة فقال: { ويوم نسير الجبال } أي: يزيلها عن أماكنها، يجعلها كثيبا، ثم يجعلها كالعهن المنفوش، ثم تضمحل وتتلاشى، وتكون هباء منبثا، وتبرز الأرض فتصير قاعا صفصفا، لا عوج فيه ولا أمتا، ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض، فلا يغادر منهم أحدا، بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات، وقعور البحار، ويجمعهم بعدما تفرقوا، ويعيدهم بعد ما تمزقوا، خلقا جديدا، فيعرضون عليه صفا ليستعرضهم وينظر في أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل، الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي: بلا مال، ولا أهل، ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال، التي عملوها، والمكاسب في الخير والشر، التي كسبوها كما قال تعالى: ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء [الأنعام: 94] وقال هنا، مخاطبا للمنكرين للبعث، وقد شاهدوه عيانا: { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } أي: أنكرتم الجزاء على الأعمال، ووعد الله ووعيده، فها قد رأيتموه وذقتموه، فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة الكرام، فتطير لها القلوب، وتعظم من وقعها الكروب، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب، ويشفق منها المجرمون، فإذا رأوها مسطرة عليهم أعمالهم، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم، قالوا: { يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } أي: لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار، { ووجدوا ما عملوا حاضرا } لا يقدرون على إنكاره { ولا يظلم ربك أحدا } فحينئذ يجازون بها، ويقررون بها، ويخزون، ويحق عليهم العذاب، ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، بل هم غير خارجين عن عدله وفضله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ٤٧–٤٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل:88] ، وقال تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة:5] وقال: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه:105-107] يقول تعالى: إنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض {قاعا صفصفا} أي: سطحا مستويا لا عوج فيه {ولا أمتا} أي: لا وادي ولا جبل؛ ولهذا قال تعالى: {وترى الأرض بارزة} [أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد، وقتادة: {وترى الأرض بارزة} ] (1) لا خمر فيها ولا غيابة. قال قتادة: لا بناء ولا شجر. وقوله: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} أي: وجمعناهم، الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدا، لا صغيرا ولا كبيرا، كما قال: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة:50، 49] ، وقال: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} [هود:103] ، وقوله: {وعرضوا على ربك صفا} يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا، كما قال تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبإ:38] ويحتمل أنهم يقومون (2) صفوفا صفوفا، كما قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر:22] وقوله: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد؛ ولهذا قال مخاطبا لهم: {بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا} أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن. وقوله: {ووضع الكتاب} أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير {فترى المجرمين مشفقين مما فيه} أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، {ويقولون يا ويلتنا} أي: يا حسرتنا وويلنا (3) على ما فرطنا في أعمارنا {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأرض بارزة} [الكهف: 47] ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها. وبنحو ذلك قال جماعة من أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٢٨١) ↗التحرير والتنوير
ومعنى وخير أملا أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله ومقصور على مدته. وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد، ويأمل شيئا تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة كما قال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] . فلا جرم كان قوله: وخير أملا بالتحقق والعموم تذييلا لما قبله. [47، 48] ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) عطف على جملة واضرب لهم مثل الحياة الدنيا [الكهف: 45] . فلفظ (يوم) منصوب بفعل مضمر، تقديره: اذكر، كما هو متعارف في أمثاله. فبعد أن بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة، أعقبه بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب على كفرهم به، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله: والباقيات الصالحات خير [الكهف: 46] . ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف غير فعل (اذكر) يدل عليه مقام الوعيد مثل: يرون أمرا مفظعا أو عظيما أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس السامع. ويقدر المحذوف متأخرا عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما فيه. ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقا بفعل القول المقدر عند قوله: قد جئتمونا إذ لا يناسب موقع عطف هذه الجملة على التي قبلها، ولا وجه معه لتقديم الظرف على عامله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٣٤) ↗