سورة الكهف · الآية ٣٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان له ثمر }. يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما، من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي: زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف. فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة، جعل الله له جنتين، أي: بستانين حسنين، من أعناب. { وحففناهما بنخل } أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصا أشرف الأشجار، العنب والنخل، فالعنب في وسطها، والنخل قد حف بذلك، ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح، التي تكمل بها الثمار، وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعا، فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماء يكفيهما؟ فأخبر تعالى أن كلا من الجنتين آتت أكلها، أي: ثمرها وزرعها ضعفين، أي: متضاعفا { و } أنها { لم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها أدنى شيء، ومع ذلك، فالأنهار في جوانبهما سارحة، كثيرة غزيرة. { وكان له } أي: لذلك الرجل { ثمر } أي: عظيم كما يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنت أشجارهما، ولم تعرض لهما آفة أو نقص، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث، ولهذا اغتر هذا الرجل بهما، وتبجح وافتخر، ونسي آخرته. { فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول الله تعالى بعد ذكر (1) المشركين المستكبرين عن مجالسة (2) الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم (3) مثلا برجلين، جعل الله {لأحدهما جنتين} أي: بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخل (4) المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجود؛ ولهذا قال: {كلتا الجنتين آتت أكلها} أي: خرجت ثمرها {ولم تظلم منه شيئا} أي: ولم تنقص منه شيئا {وفجرنا خلالهما نهرا} أي: والأنهار تتخرق فيهما هاهنا وهاهنا. {وكان له ثمر} قيل: المراد به: المال. روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل: الثمار وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: "وكان له ثمر" بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون (5) جمع ثمرة، كخشبة وخشب، وقرأ آخرون: {ثمر} بفتح الثاء والميم. فقال -أي صاحب هاتين [الجنتين] (6) - {لصاحبه وهو يحاوره} أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} أي: أكثر خدما وحشما وولدا. قال قتادة: تلك -والله-أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر. وقوله: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه} أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد {قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا} وذلك اغترار منه، لما رأى فيها (7) من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف (8) وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة (9) ؛ ولهذا قال: {وما أظن الساعة قائمة} أي: كائنة {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا لأني محظى (10) عند ربي، ولولا كرامتي (11) عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [فصلت:50] ، وقال {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} [مريم:77] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واضرب يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه مثلا مثل {رجلين جعلنا لأحدهما جنتين} [الكهف: 32] أي جعلنا له بستانين من كروم {وحففناهما بنخل} [الكهف: 32] يقول: وأطفنا هذين البستانين بنخل. وقوله: {وجعلنا بينهما زرعا} [الكهف: 32] يقول: وجعلنا وسط هذين البستانين زرعا. وقوله: {كلتا الجنتين آتت أكلها} [الكهف: 33] يقول: كلا البستانين أطعم ثمره وما فيه من الغروس من النخل والكرم وصنوف الزرع. وقال: كلتا الجنتين، ثم قال: آتت، فوحد الخبر، لأن كلتا لا يفرد واحدتها، وأصله كل، وقد تفرد العرب كلتا أحيانا، ويذهبون بها وهي مفردة إلى التثنية، قال بعض الرجاز في ذلك: [البحر الرجز]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٢٥٧) ↗التحرير والتنوير
36] واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) عطف على جملة وقل الحق من ربكم الآيات فإنه بعد أن بين لهم ما أعد لأهل الشرك وذكر ما يقابله مما أعده للذين آمنوا ضرب مثلا لحال الفريقين بمثل قصة أظهر الله فيها تأييده للمؤمن وإهانته للكافر، فكان لذلك المثل شبه بمثل قصة أصحاب الكهف من عصر أقرب لعلم المخاطبين من عصر أهل الكهف، فضرب مثلا للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبا مؤنقا وحال الآخر بخلاف ذلك فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابا وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحا، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الأرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضا للصلاح والنجاح. واللام في قوله: لهم يجوز أن يتعلق بفعل واضرب كقوله تعالى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم [الروم: 28] . ويجوز أن يتعلق بقوله: مثلا تعلق الحال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣١٥) ↗