سورة الكهف · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب، في شأن أهل الكهف، لعدم علمهم بذلك، وكان الله عالم الغيب والشهادة، العالم بكل شيء، أخبره بمدة لبثهم، وأن علم ذلك عنده وحده، فإنه من غيب السماوات والأرض، وغيبها مختص به، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله، فهو الحق اليقين، الذي لا يشك فيه، وما لا يطلع رسله عليه، فإن أحدا من الخلق لا يعلمه. وقوله: { أبصر به وأسمع } تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات. ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة، فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون، الولي لعباده المؤمنين، يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، ولهذا قال: { ما لهم من دونه من ولي } أي: هو الذي تولى أصحاب الكهف، بلطفه وكرمه، ولم يكلهم إلى أحد من الخلق. { ولا يشرك في حكمه أحدا } وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، فإنه الحاكم في خلقه، قضاء وقدرا، وخلقا وتدبيرا، والحاكم فيهم بأمره ونهيه، وثوابه وعقابه. ولما أخبر أنه تعالى، له غيب السماوات والأرض، فليس لمخلوق إليها طريق، إلا من الطريق التي يخبر بها عباده، وكان هذا القرآن، قد اشتمل على كثير من الغيوب، أمر تعالى بالإقبال عليه فقال: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ٢٥–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد رده الله تعالى بقوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} قال: وفي (1) قراءة عبد الله: "وقالوا: ولبثوا"، يعني أنه قاله الناس (2) وهكذا قال -كما قال قتادة-مطرف بن عبد الله. وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: {وازدادوا تسعا} وظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله، لا حكاية عنهم. وهذا اختيار ابن جرير، رحمه الله. ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم. وقوله: {أبصر به وأسمع} أي: إنه لبصير بهم سميع لهم. قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله: {أبصر به وأسمع} فلا أحد أبصر (3) من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد: {أبصر به وأسمع} يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا. وقوله: {ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس. يقول تعالى آمرا رسوله [عليه الصلاة والسلام] (1) بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه (2) إلى الناس: {لا مبدل لكلماته} أي: لا مغير (3) لها ولا محرف ولا مؤول. وقوله: {ولن تجد من دونه ملتحدا} [عن مجاهد: {ملتحدا} قال: ملجأ. وعن قتادة: وليا ولا مولى] (4) قال ابن جرير: يقول (5) إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله". كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة:67] ، وقال تعالى {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص:85] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٥١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الكهف: 25] فقال بعضهم: ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك، واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] وقالوا: لو كان ذلك خبرا من الله عن قدر لبثهم في الكهف، لم يكن لقوله {قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] وجه مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٢٢٨) ↗التحرير والتنوير
25] ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله: فلا تمار فيهم إلى قوله: رشدا [الكهف: 22- 24] . فيجوز أن تكون جملة ولبثوا عطفا على مقولهم في قوله: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم. [الكهف: 22] أي ويقولون: لبثوا في كهفهم، ليكون موقع قوله: قل الله أعلم بما لبثوا [الكهف: 26] كموقع قوله السابق قل ربي أعلم بعدتهم [الكهف: 22] ، وعليه فلا يكون هذا إخبارا عن مدة لبثهم. وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم إلى آخره، فذلك تفسير لهذا العطف. ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها. والتقدير: وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين. وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله: قل الله أعلم بما لبثوا [الكهف: 26] كما سيأتي. ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم، وأن المراد لبثهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله: قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم [الكهف: 19] ، وقد قدمنا عند قوله تعالى: أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم [الكهف: 9] إلخ ... أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة. وقيل: المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية. والمعنى: أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين. فعبر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم. قال السهيلي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٠٠) ↗