سورة الكهف · الآية ١٠١
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ولهذا قال: { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا } كما قال تعالى: وبرزت الجحيم للغاوين [الشعراء: 91] أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم، وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها، وحميمها، وزمهريرها، وليذوقوا من العقاب، ما تبكم له القلوب، وتصم الآذان، وهذا آثار أعمالهم، وجزاء أفعالهم، فإنهم في الدنيا { كانت أعينهم في غطآء عن ذكري } أي: معرضين عن الذكر الحكيم، والقرآن الكريم، وقالوا: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [فصلت: 5] وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة، كما قال تعالى: وعلى أبصرهم غشاوة [البقرة: 7]. { وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي: لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان، لبغضهم القرآن والرسول، فإن المبغض لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه، فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير، فليس لهم سمع ولا بصر، ولا عقل نافع، فقد كفروا بالله وجحدوا آياته، وكذبوا رسله، فاستحقوا جهنم، وساءت مصيرا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ١٠٠–١٠١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: إنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم. وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك [يجرونها] (1) (2) ثم قال مخبرا عنهم: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا (3) عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] وقال هاهنا: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. ثم قال {أفحسب (4) الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك، وينتفعون بذلك؟ {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82] ؛ ولهذا أخبر أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة منزلا. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد رضي الله عنه، يسميهم الفاسقين (5) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٠١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني محمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101] قال: لا يعقلون حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، {وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101] ، قال: لا يعلمون حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} [الكهف: 101] الآية، قال: هؤلاء أهل الكفر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٢١) ↗التحرير والتنوير
وجملة وكان وعد ربي حقا تذييل للعلم بأنه لا بد له من أجل ينتهي إليه لقوله تعالى: لكل أجل كتاب [الرعد: 38] ولكل أمة أجل [يونس: 49] أي وكان تأجيل الله الأشياء حقا ثابتا لا يتخلف. وهذه الجملة بعمومها وما فيها من حكمة كانت تذييلا بديعا. [99- 101] وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض الترك: حقيقته مفارقة شيء شيئا كان بقربه، ويطلق مجازا على جعل الشيء بحالة مخالفة لحالة سابقة تمثيلا لحال إلفائه على حالة، ثم تغييرها بحال من كان قرب شيء ثم ذهب عنه، وإنما يكون هذا المجاز مقيدا بحالة كان عليها مفعول ترك، فيفيد أن ذلك آخر العهد، وذلك يستتبع أنه يدوم على ذلك الحال الذي تركه عليها بالقرينة. والجملة عطف على الجملة التي قبلها ابتداء من قوله حتى إذا بلغ بين السدين، فهذه الجملة لذكر صنع الله تعالى في هذه القصة الثالثة من قصص ذي القرنين إذ ألهمه دفع فساد ياجوج وماجوج، بمنزلة جملة قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب في القصة الأولى، وجملة كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا فجاء أسلوب حكاية هذه القصص الثلاث على نسق واحد. ويومئذ هو يوم إتمام بناء السد المستفاد من قوله فما اسطاعوا أن يظهروه الآية. ويموج يضطرب تشبيها بموج البحر. وجملة يموج حال من بعضهم أو مفعول ثان ل تركنا على تأويله ب (جعلنا) ، أي جعلنا ياجوج وماجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصرا عليهم ودفع عن غيرهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٤٠) ↗