سورة الإسراء · الآية ٨٠
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامة، ظاهرا وباطنا، في أوقاتها، { لدلوك الشمس } أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر. { إلى غسق اليل } أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء. { وقرآن الفجر } أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنا، لمشروعية إطالة القراءة فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله، وملائكة الليل وملائكة والنهار. ففي هذه الآية، ذكر الأوقات الخمسة، للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات الموقعة فيه فرائض، لتخصيصها بالأمر. وفيها: أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها، لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات. وأن الظهر والعصر يجمعان، والمغرب والعشاء كذلك، للعذر، لأن الله جمع وقتهما جميعا. وفيه: فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن، لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها، دل على فرضية ذلك. وقوله: { ومن الليل فتهجد به } أي: صل به في سائر أوقاته. { نافلة لك } أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون كفارة لسيئاته. ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هم الموقف وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقاما يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق. وقوله: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك وعلى مرضاتك، وذلك لتضمنها الإخلاص وموافقتها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الإمام أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس بن (1) أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} (2) . وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى (3) المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل:: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} وقال قتادة: {وقل رب أدخلني مدخل صدق} يعني: المدينة {وأخرجني مخرج صدق} يعني: مكة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال: العوفي عن ابن عباس: {أدخلني مدخل صدق} يعني: الموت {وأخرجني مخرج صدق} يعني: الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير. وقوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز (4) فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له. وقال قتادة فيها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم. قال مجاهد: {سلطانا نصيرا} حجة بينة. واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال [سبحانه و] (5) تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25] وفي الحديث: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يدخله إياه، وفي مخرج الصدق الذي أمره أن يرغب إليه في أن يخرجه إياه، فقال بعضهم: عنى بمدخل الصدق: مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، حين هاجر إليها، ومخرج الصدق: مخرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرا إلى المدينة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٤) ↗التحرير والتنوير
وهي مكية عند الجمهور. قيل: إلا آيتين منها، وهما وإن كادوا ليفتنونك- إلى قوله قليلا [الإسراء: 73- 76] . وقيل: إلا أربعا، هاتين الآيتين، وقوله: وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60] وقوله: وقل رب أدخلني مدخل صدق الآية [الإسراء: 80] . وقيل: إلا خمسا، هاته الأربع، وقوله: إن الذين أوتوا العلم من قبله إلى آخر السورة [الإسراء: 107] . وقيل: إلا خمس آيات غير ما تقدم، وهي المبتدأة بقوله ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق الآية [الإسراء: 33] ، وقوله: ولا تقربوا الزنى الآية [الإسراء: 32] ، وقوله: أولئك الذين يدعون الآية [الإسراء: 57] ، وقوله: أقم الصلاة الآية [الإسراء: 78] ، وقوله: وآت ذا القربى حقه الآية [الإسراء: 26] . وقيل إلا ثمانيا من قوله: وإن كادوا ليفتنونك- إلى قوله- سلطانا نصيرا [الإسراء: 73- 80] . وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر الأحكام التي اشتملت عليها تلك الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلب على ظن أصحاب تلك الأقوال أن تلك الآي مدنية. وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه عند التعرض لتفسيرها. ويظهر أنها نزلت في زمن كثرت فيه جماعة المسلمين بمكة، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام، وذلك من قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى قوله: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 23- 38] . وقد اختلف في وقت الإسراء. والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة أشهر، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبيء صلى الله عليه وسلم تكون قد نزلت في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة. وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء. بل يجوز أنها نزلت بعد الإسراء بمدة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٦) ↗