سورة الإسراء · الآية ٧٧
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا } أي: قد كادوا لك أمرا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك. { وإذا } لو فعلت ما يهوون { لاتخذوك خليلا } أي: حبيبا صفيا، أعز عليهم من أحبابهم، لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو. ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك وينابذوك العداوة، إلا للحق الذي جئت به، لا لذاتك، كما قال الله تعالى قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33]. { و } مع هذا ف { لولا أن ثبتناك } على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. { إذا } لو ركنت إليهم بما يهوون { لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } أي: لأصبناك بعذاب مضاعف، في الدنيا والآخرة، وذلك لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن البشر فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه، فله عليك أتم نعمة وأبلغ منحة. { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها } أي: من بغضهم لمقامك بين أظهرهم، قد كادوا أن يخرجوك من الأرض، ويجلوك منها. ولو فعلوا ذلك، لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلا، حتى تحل بهم العقوبة، كما هي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل في جميع الأمم، كل أمة كذبت رسولها وأخرجته، عاجلها الله بالعقوبة. ولما مكر به الذين كفروا وأخرجوه، لم يلبثوا إلا قليلا، حتى أوقع الله بهم ب " بدر " وقتل صناديدهم، وفض بيضتهم، فله الحمد. وفي هذه الآيات، دليل على شدة افتقار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام" (3) . قال الوليد: يعني بيت المقدس. وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس والله أعلم. وقيل: نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه (4) لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا. وكذلك وقع؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم، بعد ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف. حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم (5) وسبى سراتهم (6) ؛ ولهذا قال: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم: يخرج الرسول من بين أظهرهم: ويأتيهم العذاب. ولولا أنه عليه [الصلاة و] (7) السلام رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا قال تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] . يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} قيل (8) لغروبها. قاله ابن مسعود، ومجاهد، وابن زيد. وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس: "دلوكها": زوالها. ورواه نافع، عن ابن عمر. ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر. وقاله أبو برزة الأسلمي وهو رواية أيضا عن ابن مسعود. ومجاهد. وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة. واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، [عن رجل] (9) ، عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس" (10) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٠١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أظهرهم، ونصبت السنة على الخروج من معنى قوله {لا يلبثون خلافك إلا PageEndV15P022 قليلا} [الإسراء: 76] لأن معنى ذلك: لعذبناهم بعد قليل كسنتنا في أمم من أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا عما جرت به. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} [الإسراء: 77] أي سنة الأمم والرسل كانت قبلك كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم، لم يناظروا أن الله أنزل عليهم عذابه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٢٢) ↗التحرير والتنوير
وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) عطف على جملة وإن كادوا ليفتنونك [الإسراء: 73] تعدادا لسيئات أعمالهم. والضمائر متحدة. والاستفزاز: الحمل على الترحل، وهو استفعال من فز بمعنى بارح المكان، أي كادوا أن يسعوا أن تكون فازا، أي خارجا من مكة. وتقدم معنى هذا الفعل عند قوله: واستفزز من استطعت في هذه السورة الإسراء [64] . والمعنى: كادوا أن يخرجوك من بلدك. وذلك بأن هموا بأن يخرجوه كرها ثم صرفهم الله عن ذلك ليكون خروجه بغير إكراه حين خرج مهاجرا عن غير علم منهم لأنهم ارتأوا بعد زمان أن يبقوه بينهم حتى يقتلوه. والتعريف في الأرض تعريف العهد، أي من أرضك وهي مكة. وقوله: ليخرجوك تعليل للاستفزاز، أي استفزازا لقصد الإخراج. والمراد بالإخراج: مفارقة المكان دون رجوع. وبهذا الاعتبار جعل علة للاستفزاز لأن الاستفزاز أعم من الإخراج. وجملة وإذا لا يلبثون خلافك عطف على جملة وإن كادوا، أو هي اعتراض في آخر الكلام، فتكون الواو للاعتراض و (إذا) ظرفا لقوله: لا يلبثون وهي (إذا) الملازمة الإضافة إلى الجملة. ويجوز أن يكون (إذا) حرف جواب وجزاء لكلام سابق. وهي التي نونها حرف من الكلمة ولكن كثرت كتابتها بألف في صورة الاسم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٧٨) ↗