سورة الإسراء · الآية ٣
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوة موسى صلى الله عليه وسلم، وبين كتابيهما وشريعتيهما، لأن كتابيهما أفضل الكتب، وشريعتيهما أكمل الشرائع، ونبوتيهما أعلى النبوات، وأتباعهما أكثر المؤمنين، ولهذا قال هنا: { وآتينآ موسى الكتاب } الذي هو التوراة { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق. { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } أي: وقلنا لهم ذلك، وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك، ليعبدوا الله وحده، وينيبوا إليه، ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم، في أمر دينهم ودنياهم، ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا، ولا ينفعونهم بشيء. { ذرية من حملنا مع نوح } أي: يا ذرية من مننا عليهم، وحملناهم مع نوح، { إنه كان عبدا شكورا } ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام، بقيامه بشكر الله، واتصافه بذلك، والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم، إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم. { وقضينآ إلى بني إسرائيل } أي: تقدمنا وعهدنا إليهم، وأخبرناهم في كتابهم، أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي، والبطر لنعم الله، والعلو في الأرض والتكبر فيها، وأنه إذا وقع واحدة منهما، سلط الله عليهم الأعداء، وانتقم منهم، وهذا تحذير لهم وإنذار، لعلهم يرجعون فيتذكرون. { فإذا جآء وعد أولاهما } أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد { بعثنا عليكم } بعثا قدريا، وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا { عبادا لنآ أولي بأس شديد } أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم، فقتلوكم وسبوا أولادكم، ونهبوا أموالكم، وجاسوا خلال دياركم فهتكوا الدور، ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. { وكان وعدا مفعولا } لا بد من وقوعه، لوجود سببه منهم. واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وكليمه [عليه السلام] (1) أيضا، فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما السلام (2) وبين ذكر التوراة والقرآن؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {وجعلناه} أي الكتاب {هدى} أي هاديا {لبني إسرائيل ألا تتخذوا} أي لئلا تتخذوا {من دوني وكيلا} أي وليا ولا نصيرا ولا معبودا دوني؛ لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله (3) أن يعبده وحده لا شريك له. ثم قال: {ذرية من حملنا مع نوح} تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، {إنه كان عبدا شكورا} فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم. وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف: أن نوحا، عليه السلام، كان يحمد الله [تعالى] (4) على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله; فلهذا سمي عبدا شكورا. قال: الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله (5) . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها". وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة، به (6) . وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال. وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (7) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة -بطوله، وفيه -: فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت (8) أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك" وذكر الحديث بكماله (9) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 2] . وعنى بالذرية: جميع من احتج عليه جل ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمم، عربهم وعجمهم من بني إسرائيل وغيرهم، وذلك أن كل من على الأرض من بني آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح في السفينة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٤٥١) ↗التحرير والتنوير
وخص بني إسرائيل لأنهم المخاطبون بشريعة التوراة دون غيرهم، فالجعل الذي في قوله: وجعلناه هو جعل التكليف. وهم المراد ب «الناس» في قوله: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91] ، لأن الناس قد يطلق على بعضهم، على أن ما هو هدى لفريق من الناس صالح لأن ينتفع بهديه من لم يكن مخاطبا بكتاب آخر، ولذلك قال تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور [المائدة: 44] . وقرأ الجمهور ألا تتخذوا- بتاء الخطاب- على الأصل في حكاية ما يحكى من الأقوال المتضمنة نهيا، فتكون (أن) تفسيرية لما تضمنه لفظ (الكتاب) من معنى الأقوال، ويكون التفسير لبعض ما تضمنه الكتاب اقتصارا على الأهم منه وهو التوحيد. وقرأ أبو عمرو وحده- بياء الغيبة- على اعتبار حكاية القول بالمعنى، أو تكون (أن) مصدرية مجرورة بلام محذوفة حذفا مطردا، والتقدير: آتيناهم الكتاب لئلا يتخذوا من دوني وكيلا. والوكيل: الذي تفوض إليه الأمور. والمراد به الرب، لأنه يتكل عليه العباد في شؤونهم، أي أن لا تتخذوا شريكا تلجئون إليه. وقد عرف إطلاق الوكيل على الله في لغة بني إسرائيل كما حكى الله عن يعقوب وأبنائه فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل [يوسف: 66] . [3] ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) يجوز أن يكون اعتراضا في آخر الحكاية ليس داخلا في الجملة التفسيرية. فانتصاب ذرية على الاختصاص لزيادة بيان بني إسرائيل بيانا مقصودا به التعريض بهم إذ لم يشكروا النعمة. ويجوز أن يكون من تمام الجملة التفسيرية، أي حال كونكم ذرية من حملنا مع نوح- عليه السلام-،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٥) ↗