سورة الإسراء · الآية ١٠٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق والباطل. { لتقرأه على الناس على مكث } أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه. { ونزلناه تنزيلا } أي: شيئا فشيئا، مفرقا في ثلاث وعشرين سنة. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 33] فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من الوجوه ف: { قل } لمن كذب به وأعرض عنه: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: { إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له. { ويقولون سبحان ربنآ } عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون. { إن كان وعد ربنا } بالبعث والجزاء بالأعمال { لمفعولا } لا خلف فيه ولا شك. { ويخرون للأذقان } أي: على وجوههم { يبكون ويزيدهم } القرآن { خشوعا }. وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن آمن في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٠٦–١٠٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
القرآن، {يخرون للأذقان} جمع ذقن، وهو أسفل الوجه {سجدا} أي: لله عز وجل، شكرا على ما أنعم به عليهم، من جعله إياهم أهلا إن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه [هذا] (1) الكتاب؛ ولهذا يقولون: {سبحان ربنا} أي: تعظيما وتوقيرا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء [المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالوا: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} ] (2) . وقوله: {ويخرون للأذقان يبكون} أي: خضوعا لله عز وجل وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله خشوعا، أي: إيمانا وتسليما كما قال: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] . وقوله: {ويخرون} عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود، كما قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام %~% وليث الكتيبة في المزدحم يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله، عز وجل، المانعين من تسميته بالرحمن: {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أي: لا فرق بين دعائكم له باسم "الله" أو باسم (3) " الرحمن "، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} إلى أن قال: {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 22 -24] . وقد روى مكحول (4) أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده: "يا رحمن يا رحيم"، فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو اثنين. فأنزل الله هذه الآية. وكذا روي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير. وقوله: {ولا تجهر بصلاتك} الآية، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن (5) سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت (6) هذه الآية وهو متوار بمكة {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [وابتغ بين ذلك سبيلا] } (7) قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك. وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما، وعلما منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجدا بالأرض. واختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله {يخرون للأذقان} [الإسراء: 107] فقال بعضهم: عنى به: الوجوه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١١٩) ↗التحرير والتنوير
قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) استئناف خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليلقنه بما يقوله للمشركين الذين لم يؤمنوا بأن القرآن منزل من عند الله، فإنه بعد أن أوضح لهم الدلائل على أن مثل ذلك القرآن لا يكون إلا منزلا من عند الله من قوله: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله [الإسراء: 88] فعجزوا عن الإتيان بمثله، ثم ببيان فضائل ما اشتمل عليه بقوله: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل [الإسراء: 89] ، ثم بالتعرض إلى ما اقترحوه من الإتيان بمعجزات أخر، ثم بكشف شبهتهم التي يموهون بها امتناعهم من الإيمان برسالة بشر، وبين لهم غلطهم أو مغالطتهم، ثم بالأمر بإقامة الله شهيدا بينه وبينهم، ثم بتهديدهم بعذاب الآخرة، ثم بتمثيل حالهم مع رسولهم بحال فرعون وقومه مع موسى وما عجل لهم من عذاب الدنيا بالاستئصال، ثم بكشف شبهتهم في تنجيم القرآن أعقب ذلك بتفويض النظر في ترجيح الإيمان بصدق القرآن وعدم الإيمان بقوله: آمنوا به أو لا تؤمنوا للتسوية بين إيمانهم وعدمه عند الله تعالى. فالأمر في قوله: آمنوا للتسوية، أي إن شئتم. وجزم لا تؤمنوا بالعطف على المجزوم. ومثله قوله في سورة الطور [16] فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم، فحرف (لا) حرف نفي وليس حرف نهي، ولا يقع مع الأمر المراد به التسوية إلا كذلك، وهو كناية عن الإعراض عنهم واحتقارهم وقلة المبالاة بهم، ويندمج فيه مع ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٣٢) ↗