البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٩٧

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان، لأجل متاع الدنيا وحطامها، فقال: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } تنالونه بالنقض وعدم الوفاء { إنما عند الله } من الثواب العاجل والآجل لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله { هو خير لكم } من حطام الدنيا الزائلة { إن كنتم تعلمون }. فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الذي عندكم ولو كثر جدا، لا بد أن { ينفد } ويفنى، { وما عند الله باق } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس، وهذا كقوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 16-17] وما عند الله خير للأبرار [آل عمران: 198] وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا. خصوصا الزهد المتعين، وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد، ويوجب له الاشتغال عما أوجب الله عليه، وتقديمه على حق الله، فإن هذا الزهد واجب. ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا، وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين [وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر، ونحوها، بل لا يكون العبد زاهدا زهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع]. { ولنجزين الذين صبروا } على طاعة الله، وعن معصيته، وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة فقال: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالا صالحة، إلا بالإيمان، والإيمان مقتض لها، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الترمذي: هذا حديث صحيح (1) . وقال الإمام أحمد، حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا [ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا] (2) حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا". انفرد بإخراجه مسلم (3) . هذا أمر من الله تعالى لعباده (4) على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: إذا أرادوا قراءة القرآن، أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهو أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك (5) الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة. والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة، لئلا يلبس (6) على القارئ قراءته ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة (7) وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني: أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي. والصحيح الأول، لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم. وقوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه. وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. وقال آخرون: كقوله: {إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 83] . {إنما سلطانه على الذين يتولونه} قال مجاهد: يطيعونه. وقال آخرون: اتخذوه وليا من دون الله.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦٠٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية، {فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97] . واختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بالحياة الطيبة التي وعد هؤلاء القوم أن يحييهموها، فقال بعضهم: عنى أنه يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٥٠) ↗

التحرير والتنوير

و «ما عند الله» هو ما ادخره للمسلمين من خير في الدنيا وفي الآخرة، كما سننبه عليه عند قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن [سورة النحل: 97] الآية فخير الدنيا الموعود به أفضل مما يبذله لهم المشركون، وخير الآخرة أعظم من الكل، فالعندية هنا بمعنى الادخار لهم، كما تقول: لك عندي كذا، وليست عندية ملك الله تعالى كما في قوله: وعنده مفاتح الغيب [سورة الأنعام: 59] وقوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه [سورة الحجر: 21] وقوله: وما عند الله باق. وإنما هذه مركبة من (إن) و (ما) الموصولة، فحقها أن تكتب مفصولة (ما) عن (إن) لأنها ليست (ما) الكافة، ولكنها كتبت في المصحف موصولة اعتبارا لحالة النطق ولم يكن وصل أمثالها مطردا في جميع المواضع من المصحف. ومعنى إن كنتم تعلمون إن كنتم تعلمون حقيقة عواقب الأشياء ولا يغركم العاجل. وفيه حث لهم على التأمل والعلم. وجملة ما عندكم ينفد وما عند الله باق تذييل وتعليل لمضمون جملة إنما عند الله هو خير لكم بأن ما عند الله لهم خير متجدد لا نفاد له، وأن ما يعطيهم المشركون محدود نافد لأن خزائن الناس صائرة إلى النفاد بالإعطاء وخزائن الله باقية. والنفاد: الانقراض. والبقاء: عدم الفناء. أي ما عند الله لا يفنى فالأجدر الاعتماد على عطاء الله الموعود على الإسلام دون الاعتماد على عطاء الناس الذين ينفد رزقهم ولو كثر. وهذا الكلام جرى مجرى التذييل لما قبله، وأرسل إرسال المثل فيحمل على أعم، ولذلك كان ضمير عندكم عائدا إلى جميع الناس بقرينة التذييل والمثل، وبقرينة المقابلة بما عند الله، أي ما عندكم أيها الناس ما عند الموعود وما عند الواعد، لأن المنهيين عن نقض العهد ليس بيدهم شيء.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٧١) ↗