سورة النحل · الآية ٩٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه، من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها، إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره، كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره، ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها فقال: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } بعقدها على اسم الله تعالى: { وقد جعلتم الله عليكم } أيها المتعاقدون { كفيلا } فلا يحل لكم أن لا تحكموا ما جعلتم الله عليكم كفيلا، فيكون ذلك ترك تعظيم الله واستهانة به، وقد رضي الآخر منك باليمين، والتوكيد الذي جعلت الله فيه كفيلا. فكما ائتمنك وأحسن ظنه فيك، فلتف له بما قلته وأكدته. { إن الله يعلم ما تفعلون } يجازي كل عامل بعمله، على حسب نيته ومقصده. { ولا تكونوا } في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك { كالتي } تغزل غزلا قويا، فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته { أنكاثا } فتعبت على الغزل، ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء، وسفاهة العقل، ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه، فهو ظالم جاهل سفيه، ناقص الدين والمروءة. وقوله: { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة } أي: لا تنبغي هذه الحالة منكم، تعقدون الأيمان المؤكدة، وتنتظرون فيها الفرص، فإذا كان العاقد لها ضعيفا غير قادر على الآخر، أتمها، لا لتعظيم العقد واليمين، بل لعجزه. وإن كان قويا، يرى مصلحته الدنيوية في نقضها، نقضها غير مبال بعهد الله ويمينه. كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس، وتقديما لها على مراد الله منكم، وعلى المروءة الإنسانية، والأخلاق المرضية، لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى. وهذا ابتلاء من الله وامتحان يبتليكم الله به، حيث قيض من أسباب المحن ما يمتحن به الصادق الوفي من الفاجر الشقي. { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا مما يأمر الله تعالى به (1) وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة؛ ولهذا قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ولا تعارض بين هذا وبين قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا [وتصلحوا بين الناس] } [البقرة: 224] (2) وبين قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] أي: لا تتركوها بلا تكفير، وبين قوله، عليه السلام (3) فيما ثبت عنه في الصحيحين (4) : إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها". وفي رواية: "وكفرت عن يميني" لا تعارض بين هذا كله، ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [وقد جعلتم الله عليكم كفيلا] } (5) ؛ لأن هذه الأيمان، المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يعني: الحلف، أي: حلف الجاهلية؛ ويؤيده ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة-حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا -هو ابن أبي زائدة-عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". وكذا رواه مسلم، عن ابن أبي شيبة، به (6) . ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وأما ما ورد في الصحيحين، عن عاصم الأحول، عن أنس، رضي الله عنه، أنه قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا (7) -فمعناه: أنه آخى بينهم، فكانوا يتوارثون به، حتى نسخ الله ذلك والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبيد الله (8) بن موسى، أخبرنا ابن أبي ليلى، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وآمرا بوفاء PageEndV14P342 العهود، وممثلا ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه: ولا تكونوا أيها الناس في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها وإعطائكم الله بالوفاء بذلك العهود والمواثيق {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} [النحل: 92] يعني: من بعد إبرام، وكان بعض أهل العربية يقول: القوة: ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن، وقيل: إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بمكة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٤١) ↗التحرير والتنوير
92] ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) تشنيع لحال الذين ينقضون العهد. وعطف على جملة ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [سورة النحل: 91] . واعتمد العطف على المغايرة في المعنى بين الجملتين لما في هذه الثانية من التمثيل وإن كانت من جهة الموقع كالتوكيد لجملة ولا تنقضوا الأيمان. نهوا عن أن يكونوا مضرب مثل معروف في العرب بالاستهزاء، وهو المرأة التي تنقض غزلها بعد شد فتله. فالتي نقضت غزلها امرأة اسمها ريطة بنت سعد التيمية من بني تيم من قريش. وعبر عنها بطريق الموصولية لاشتهارها بمضمون الصلة ولأن مضمون الصلة، هو الحالة المشبه بها في هذا التمثيل، ولأن القرآن لم يذكر فيه بالاسم العلم إلا من اشتهر بأمر عظيم مثل جالوت وقارون. وقد ذكر من قصتها أنها كانت امرأة خرقاء مختلة العقل، ولها جوار، وقد اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة (1) على قدر ذلك، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فتنقض ما غزلته، وهكذا تفعل كل يوم، فكان حالها إفساد ما كان نافعا محكما من عملها وإرجاعه إلى عدم الصلاح، فنهوا عن أن يكون حالهم كحالها في نقضهم عهد الله وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر وأعمال الجاهلية. ووجه الشبه الرجوع إلى فساد بعد التلبس بصلاح.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٦٤) ↗