سورة النحل · الآية ٧٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: هو تعالى المنفرد بغيب السماوات والأرض، فلا يعلم الخفايا والبواطن والأسرار إلا هو، ومن ذلك علم الساعة، فلا يدري أحد متى تأتي إلا الله، فإذا جاءت وتجلت، لم تكن { إلا كلمح البصر أو هو أقرب } من ذلك، فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم، وتفوت الفرص لمن يريد الإمهال، { إن الله على كل شيء قدير } فلا يستغرب على قدرته الشاملة إحياؤه للموتى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٧٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا يرزقهم (1) تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار اللاتي بها يحسون المرئيات، والأفئدة -وهي العقول-التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها. وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان، ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه، كما جاء في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل (2) أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي (3) يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه" (4) . فمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل، مستعينا بالله في ذلك كله؛ ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح، بعد قوله: "ورجله التي يمشي بها": "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"؛ ولهذا قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} كما قال في الآية الأخرى: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون} [الملك: 23، 24] . ثم نبه تعالى عباده إلى (5) النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحيه بين السماء والأرض، في جو السماء ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى، الذي جعل فيها قوى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
77] ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) كان مما حكي من مقالات كفرهم أنهم أقسموا بالله لا يبعث الله من يموت، لأنهم توهموا أن إفناء هذا العالم العظيم وإحياء العظام وهي رميم أمر مستحيل، وأبطل الله ذلك على الفور بأن الله قادر على كل ما يريده. ثم انتقل الكلام عقب ذلك إلى بسط الدلائل على الوحدانية والقدرة وتسلسل البيان، وتفننت الأغراض بالمناسبات، فكان من ذلك تهديدهم بأن الله لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على الأرض من دابة، ولكنه يمهلهم ويؤخرهم إلى أجل عينه في علمه لحكمته وحذرهم من مفاجأته، فثنى عنان الكلام إلى الاعتراض بالتذكير بأن الله لا يخرج عن قدرته أعظم فعل مما غاب عن إدراكهم وأن أمر الساعة التي أنكروا إمكانها وغرهم تأخير حلولها هي مما لا يخرج عن تصرف الله ومشيئته متى شاءه. فذلك قوله تعالى: ولله غيب السماوات والأرض بحيث لم يغادر شيئا مما حكي عنهم من كفرهم وجدالهم إلا وقد بينه لهم استقصاء للأعذار لهم. ومن مقتضيات تأخير هذا أنه يشتمل بصريحه على تعليم، وبإيمائه إلى تهديد وتحذير. فاللام في قوله: ولله غيب السماوات والأرض لام الملك. والغيب: مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي الأشياء الغائبة. وتقدم في قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب [سورة البقرة: 3] . وهو الغائب عن أعين الناس من الأشياء الخفية والعوالم التي لا تصل إلى مشاهدتها حواس المخلوقات الأرضية. والإخبار بأنها ملك لله يقتضي بطريق الكناية أيضا أنه عالم بها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٢٩) ↗