البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٥٨

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم وافترائهم على الله الكذب، وأنهم يجعلون لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر - نصيبا مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، فاستعانوا برزقه على الشرك به، وتقربوا به إلى أصنام منحوتة، كما قال تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله الآية [الأنعام: 136]، { لتسألن عما كنتم تفترون } ويقال: ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة [يونس: 59-60] فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. { ويجعلون لله البنات } حيث قالوا عن الملائكة العباد المقربين: إنهم بنات الله، { ولهم ما يشتهون } أي لأنفسهم الذكور، حتى إنهم يكرهون البنات كراهة شديدة، فكان أحدهم { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا } من الغم الذي أصابه { وهو كظيم } أي كاظم على الحزن والأسف إذا بشر بأنثى، وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه، ويتوارى منهم من سوء ما بشر به. ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد فيما يصنع بتلك البنت التي بشر بها { أيمسكه على هون } أي: يتركها من غير قتل على إهانة وذل { أم يدسه في التراب } أي: يدفنها وهي حية، وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين، { ألا سآء ما يحكمون } إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله، من نسبة الولد إليه. ثم لم يكفهم هذا، حتى نسبوا له أردأ القسمين، وهو الإناث، اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها ويكرهونها، فكيف ينسبونها لله تعالى؟! فبئس الحكم حكمهم. ولما كان هذا من أمثال السوء التي نسبها إليه أعداؤه المشركون، قال تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: المثل الناقص والعيب التام { ولله المثل الأعلى } وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود، فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه، وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. { وهو …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {ولهم ما يشتهون} أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإنه {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} أي: كئيبا من الهم، {وهو كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس {من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها، ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، {أم يدسه في التراب} أي: يئدها: وهو: أن يدفنها فيه حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كما قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17] ، وقال هاهنا: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: النقص إنما ينسب إليهم، {ولله المثل الأعلى} أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه، {وهو العزيز الحكيم} يخبر تعالى عن حلمه (1) بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، جل جلاله، يحلم ويستر، وينظر {إلى أجل مسمى} أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها (2) من دابة} (3) . وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي (4) ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه (5) . قال: فالتفت …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الشكر، واستحق عليهم الحمد {البنات} [النحل: 57] ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزه جل جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٥٤) ↗

التحرير والتنوير

ما يشتهون، لأن ذلك زيادة في التفظيع، فقوله: ولهم ما يشتهون جملة في موضع الحال. وتقديم الخبر في الجملة للاهتمام بهم في ذلك على طريقة التهكم. وما صدق ما يشتهون الأبناء الذكور بقرينة مقابلته بالبنات، وقوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى [سورة النحل: 58] ، أي والحال أن لهم ذكورا من أبنائهم فهلا جعلوا لله بنين وبنات. وهذا ارتقاء في إفساد معتقدهم بحسب عرفهم وإلا فإنه بالنسبة إلى الله سواء للاستواء في التولد الذي هو من مقتضى الحدوث المنزه عنه واجب الوجود. وسيخص هذا بالإبطال في قوله تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون [سورة النحل: 62] . ولهذا اقتصر هنا على لفظ البنات الدال على الذوات، واقتصر على أنهم يشتهون الأبناء، ولم يتعرض إلى كراهتهم البنات وإن كان ذلك مأخوذا بالمفهوم لأن ذلك درجة أخرى من كفرهم ستخص بالذكر. [58، 59] وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) الواو في قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى يجوز أن تكون واو الحال. ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية اقتضى الإطالة بها أنها من تفاريع شركهم، فهي لذلك جديرة بأن تكون مقصودة بالذكر كأخواتها. وهذا أولى من أن تجعل معطوفة على جملة ولهم ما يشتهون [سورة النحل: 57] التي هي في موضع الحال، لأن ذلك يفيت قصدها بالعد. وهذا القصد من مقتضيات المقام وإن كان مآل الاعتبارين واحدا في حاصل المعنى.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٨٣) ↗