البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٥٥

﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية فقال: و { لا تتخذوا إلهين اثنين } أي: تجعلون له شريكا في إلهيته، وهو { إنما هو إله واحد } متوحد في الأوصاف العظيمة، متفرد بالأفعال كلها. فكما أنه الواحد في ذاته، وأسمائه ونعوته وأفعاله، فلتوحدوه في عبادته، ولهذا قال: { فإياي فارهبون } أي: خافوني، وامتثلوا أمري، واجتنبوا نهيي، من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات، فإنها كلها لله تعالى مملوكة. { وله ما في السموت والأرض وله الدين واصبا } أي: الدين والعبادة، والذل في جميع الأوقات، لله وحده، على الخلق أن يخلصوه لله، وينصبغوا بعبوديته. { أفغير الله تتقون } من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان، { وما بكم من نعمة } ظاهرة وباطنة { فمن الله } لا أحد يشركه فيها، { ثم إذا مسكم الضر } من فقر ومرض وشدة { فإليه تجأرون } أي: تضجون بالدعاء والتضرع، لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده. ولكن كثيرا من الناس، يظلمون أنفسهم، ويجحدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة فصاروا في حال الرخاء، أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة، ولهذا قال: { ليكفروا بمآ آتيناهم } أي: أعطيناهم، حيث نجيناهم من الشدة، وخلصناهم من المشقة، { فتمتعوا } في دنياكم قليلا { فسوف تعلمون } عاقبة كفركم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٥١–٥٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عليه (1) وإحسانه إليه. {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به (2) كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، وقال هاهنا: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} قيل: "اللام" هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك (3) ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم. ثم توعدهم قائلا {فتمتعوا} أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا {فسوف تعلمون} أي: عاقبة ذلك. يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [بغير علم] (4) وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم (5) أيضا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه، وائتفكوه، وليقابلنهم (6) عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 21، 22] وقال هاهنا: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: عن قولهم وإفكهم {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 54] يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج مما كانوا فيه من الضر. {ليكفروا بما آتيناهم} [النحل: 55] يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضر عنهم. {فتمتعوا، فسوف تعلمون} [النحل: 55] ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات وتهديد لهم، يقول لهم جل ثناؤه: تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٥٢) ↗

التحرير والتنوير

ومس الضر: حلوله. استعير المس للحصول الخفيف للإشارة إلى ضيق صبر الإنسان بحيث إنه يجأر إلى الله بحصول أدنى شيء من الضر له. وتقدم استعمال المس في الإصابة الخفيفة في قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو في سورة الأنعام [17] . وتجئرون تصرخون بالتضرع. والمصدر: الجؤار، بصيغة أسماء الأصوات. وأتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضر عن الناس بقوله تعالى: ثم إذا كشف الضر عنكم الآية. وثم للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل. وجيء بحرف ثم لأن مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها فإن الإعراض عن المنعم بكشف الضر وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالا وأبعد حصولا من اللجأ إليه عند الشدة. والمقصود تسجيل كفران المشركين، وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضر عنهم عند التجائهم إليه مع علمه بأن من أولئك من يشرك به ويستمر على شركه بعد كشف الضر عنه. وإذا الأولى مضمنة معنى الشرط، وهي ظرف. وإذا الثانية فجائية. والإتيان بحرف المفاجأة للدلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضر عنه بحيث يفجأون بالكفر دفعة دون أن يترقبه منهم مترقب، فكان الفريق المعني في قوله تعالى: إذا فريق منكم فريق المشركين. [55] 55] ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) لام التعليل متعلقة بفعل يشركون [سورة النحل: 54] الذي هو من جواب قوله تعالى: إذا كشف الضر عنكم [سورة النحل: 54] . والكفر هنا كفر النعمة، ولذلك علق به قوله تعالى:

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٧٨) ↗