البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٥٣

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية فقال: و { لا تتخذوا إلهين اثنين } أي: تجعلون له شريكا في إلهيته، وهو { إنما هو إله واحد } متوحد في الأوصاف العظيمة، متفرد بالأفعال كلها. فكما أنه الواحد في ذاته، وأسمائه ونعوته وأفعاله، فلتوحدوه في عبادته، ولهذا قال: { فإياي فارهبون } أي: خافوني، وامتثلوا أمري، واجتنبوا نهيي، من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات، فإنها كلها لله تعالى مملوكة. { وله ما في السموت والأرض وله الدين واصبا } أي: الدين والعبادة، والذل في جميع الأوقات، لله وحده، على الخلق أن يخلصوه لله، وينصبغوا بعبوديته. { أفغير الله تتقون } من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان، { وما بكم من نعمة } ظاهرة وباطنة { فمن الله } لا أحد يشركه فيها، { ثم إذا مسكم الضر } من فقر ومرض وشدة { فإليه تجأرون } أي: تضجون بالدعاء والتضرع، لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده. ولكن كثيرا من الناس، يظلمون أنفسهم، ويجحدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة فصاروا في حال الرخاء، أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة، ولهذا قال: { ليكفروا بمآ آتيناهم } أي: أعطيناهم، حيث نجيناهم من الشدة، وخلصناهم من المشقة، { فتمتعوا } في دنياكم قليلا { فسوف تعلمون } عاقبة كفركم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٥١–٥٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عليه (1) وإحسانه إليه. {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به (2) كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، وقال هاهنا: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} قيل: "اللام" هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك (3) ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم. ثم توعدهم قائلا {فتمتعوا} أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا {فسوف تعلمون} أي: عاقبة ذلك. يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [بغير علم] (4) وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم (5) أيضا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه، وائتفكوه، وليقابلنهم (6) عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 21، 22] وقال هاهنا: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: عن قولهم وإفكهم {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله، لأن الجزاء لا بد له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] إن العقل في أموالنا لا نضق به %~% ذراعا وإن صبرا فنعرف للصبر وقال: أراد: إن يكن العقل فأضمره، قال: وإن جعلت «ما بكم» في معنى «الذي» جاز، وجعلت صلته «بكم» و «ما» في موضع رفع بقوله: {فمن الله} [النساء: 79] ، وأدخل الفاء كما قال: {إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] وكل اسم وصل مثل «من» و «ما» و «الذي» ، فقد يجوز دخول الفاء في خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يجاب بالفاء، ولا يجوز أخوك فهو قائم، لأنه اسم غير موصول، وكذلك تقول: مالك لي، فإن قلت: مالك، جاز أن تقول: مالك فهو لي، وإن ألقيت الفاء فصواب.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٥٠) ↗

التحرير والتنوير

ويجوز أن يكون الدين بمعنى الديانة، فيكون تذييلا لجملة وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس إلا بما يشرعه الله لهم، أي هو الذي يشرع لكم الدين لا غيره من أئمة الضلال مثل عمرو بن لحيي، وزرادشت، ومزدك، وماني، قال تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [سورة الشورى: 21] . ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى: ملك يوم الدين [سورة الفاتحة: 4] ، فيكون إدماجا لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضا. والمعنى: له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذ أحد. والواصب: الثابت الدائم، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة، ويزيد على الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لرد إنكارهم البعث. وتفرع على هاتين الجملتين التوبيخ على تقواهم غيره، وذلك أنهم كانوا يتقون إله الشر ويتقربون إليه ليأمنوا شره. [53، 54] وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) عطف خبر على خبر. وهو انتقال من الاستدلال بمصنوعات الله الكائنة في ذات الإنسان وفيما يحيط به من الموجودات إلى الاستدلال بما ساق الله من النعم، فمن الناس معرضون عن التدبر فيها وعن شكرها وهم الكافرون، فكان في الأدلة الماضية القصد إلى الاستدلال ابتداء متبوعا بالامتنان.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٧٦) ↗