سورة النحل · الآية ٤٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تخويف من الله تعالى لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، من أن يأخذهم بالعذاب على غرة وهم لا يشعرون، إما أن يأخذهم العذاب من فوقهم، أو من أسفل منهم بالخسف وغيره، وإما في حال تقلبهم وشغلهم، وعدم خطور العذاب ببالهم، وإما في حال تخوفهم من العذاب، فليسوا بمعجزين لله، في حالة من هذه الأحوال، بل هم تحت قبضته ونواصيهم بيده. ولكنه رءوف رحيم، لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى الإقلاع من السيئات التي تضرهم، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما صدر منهم من الذنوب، فليستح المجرم من ربه أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات، ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات، وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه إذا أخذ العاصي أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليتب إليه، وليرجع في جميع أموره إليه، فإنه رؤوف رحيم. فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة وبره العميم، وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم، ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٤٥–٤٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن حلمه [وإمهاله] (1) وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] ، وقوله {أو يأخذهم في تقلبهم} أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار (2) ونحوها من الأشغال الملهية. قال قتادة والسدي: {تقلبهم} أي: أسفارهم. وقال مجاهد، والضحاك: {في تقلبهم} في الليل والنهار، كما قال تعالى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقوله {فما هم بمعجزين} أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: {أو يأخذهم على تخوف} أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: {أو يأخذهم على تخوف} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى: {فإن ربكم لرءوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين " [لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " (3) ، وفي الصحيحين] (4) إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] (5) وقال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] . يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قيل لهم ماذا أنزل ربكم: أساطير الأولين، صدا منهم لمن أراد الإيمان بالله عن قصد السبيل، أن يخسف الله بهم الأرض على كفرهم وشركهم، أو يأتيهم عذاب الله من مكان لا يشعر به ولا يدري من أين يأتيه؟ وكان مجاهد يقول: عنى بذلك نمرود بن كنعان حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، PageEndV14P233 قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض} [النحل: 45] إلى قوله: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] قال: «هو نمرود بن كنعان وقومه» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وإنما اخترنا القول الذي قلناه في تأويل ذلك، لأن ذلك تهديد من الله أهل الشرك به، وهو عقيب قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] فكان تهديد من لم يقر بحجة الله الذي جرى الكلام بخطابه قبل ذلك أحرى من الخبر عمن انقطع ذكره عنه. وكان قتادة يقول في معنى السيئات في هذا الموضع، ما: حدثنا به بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أفأمن الذين مكروا السيئات} [النحل: 45] أي الشرك "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٣٣) ↗التحرير والتنوير
وفسر ما نزل إليهم بأنه عين الذكر المنزل، أي أنزلنا إليك الذكر لتبينه للناس، فيكون إظهارا في مقام الإضمار لإفادة أن إنزال الذكر إلى النبيء صلى الله عليه وسلم هو إنزاله إلى الناس كقوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم [سورة الأنبياء: 10] . وإنما أتي بلفظه مرتين للإيماء إلى التفاوت بين الإنزالين: فإنزاله إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مباشرة، وإنزاله إلى إبلاغه إليهم. فالمراد بالتبيين على هذا تبيين ما في القرآن من المعاني، وتكون اللام لتعليل بعض الحكم الحاقة بإنزال القرآن فإنها كثيرة، فمنها أن يبينه النبيء صلى الله عليه وسلم فتحصل فوائد العلم والبيان، كقوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس [سورة آل عمران: 187] . وليس في هذه الآية دليل لمسائل تخصيص القرآن بالسنة، وبيان مجمل القرآن بالسنة، وترجيح دليل السنة المتواترة على دليل الكتاب عند التعارض المفروضات في أصول الفقه إذ كل من الكتاب والسنة هو من تبيين النبيء صلى الله عليه وسلم إذ هو واسطته. عطف لعلهم يتفكرون حكمة أخرى من حكم إنزال القرآن، وهي تهيئة تفكر الناس فيه وتأملهم فيما يقربهم إلى رضى الله تعالى. فعلى الوجه الأول في تفسير لتبين للناس يكون المراد أن يتفكروا بأنفسهم في معاني القرآن وفهم فوائده، وعلى الوجه الثاني أن يتفكروا في بيانك ويعوه بأفهامهم. [45] أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) بعد أن ذكرت مساويهم ومكائدهم وبعد تهديدهم بعذاب يوم البعث تصريحا وبعذاب الدنيا تعريضا، فرع على ذلك تهديدهم الصريح بعذاب الدنيا بطريق استفهام التعجيب من استرسالهم في المعاندة غير مقدرين أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٦٤) ↗