البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٢٧

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى - مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات الله: { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم } أي: إذا سئلوا عن القرآن والوحي الذي هو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، فماذا قولكم به؟ وهل تشكرون هذه النعمة وتعترفون بها، أم تكفرون وتعاندون؟ فيكون جوابهم أقبح جواب وأسمجه، فيقولون عنه: إنه { أساطير الأولين } أي: كذب اختلقه محمد على الله، وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، منها الصدق ومنها الكذب، فقالوا هذه المقالة، ودعوا أتباعهم إليها، وحملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة. وقوله: { ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } أي: من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم إليه، وأما الذين يعلمون، فكل مستقل بجرمه، لأنه عرف ما عرفوا { ألا سآء ما يزرون } أي: بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم، من وزرهم ووزر من أضلوه. { قد مكر الذين من قبلهم } برسلهم، واحتالوا بأنواع الحيل على رد ما جاؤوهم به وبنوا من مكرهم، قصورا هائلة، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها، { فخر عليهم السقف من فوقهم } فصار ما بنوه عذابا عذبوا به، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ويقيهم العذاب، فصار عذابهم فيما بنوه وأصلوه. وهذا من أحسن الأمثال في إبطال الله مكر أعدائه. فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم، وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما جاءت [به] الرسل، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن مكرهم سيئ ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله [فاطر: 43] هذا في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال: { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي: يفضحهم على رؤوس الخلائق، ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر وتشتهر (1) ، كما في الصحيحين (2) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (3) . وهكذا هؤلاء، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} تحاربون وتعادون في سبيلهم، [أي] (4) : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ {هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشعراء: 93] ، {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] . فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار (5) {قال الذين أوتوا العلم} -وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} أي: الفضيحة والعذاب اليوم [محيط] (6) بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه. يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم: {فألقوا السلم} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {ما كنا نعمل من سوء} كما يقولون يوم المعاد: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18] . قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} (7) أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتي (8) أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت (9) أرواحهم في أجسادهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

العذاب لهم والانتقام بكفرهم وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم فمذلهم بعذاب أليم، وقائل لهم عند ورودهم عليه: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} [النحل: 27] أصله: من شاققت فلانا فهو يشاقني، وذلك إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام: أين شركائي؟ يقول: أين الذين كنتم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٠٧) ↗

التحرير والتنوير

والسقف: حقيقته غطاء الفراغ الذي بين جدران البيت، يجعل على الجدران ويكون من حجر ومن أعواد، وهو هنا مستعار لما استعير له البناء. ومن فوقهم تأكيد لجملة فسخر عليهم السقف. ومن مجموع هذه الاستعارات تتركب الاستعارة التمثيلية. وهي تشبيه هيئة القوم الذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزة بهيئة قوم أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخر سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا. فهذا من أبدع التمثيلية لأنها تنحل إلى عدة استعارات. وجملة وأتاهم العذاب عطف على جملة فأتى الله بنيانهم من القواعد. وأل في العذاب للعهد فهي مفيدة مضمون قوله من فوقهم مع زيادة قوله تعالى: من حيث لا يشعرون. فباعتبار هذه الزيادة وردت معطوفة لحصول المغايرة وإلا فإن شأن الموكدة أن لا تعطف. والمعنى أن العذاب المذكور حل بهم بغتة وهم لا يشعرون فإن الأخذ فجأ أشد نكاية لما يصحبه من الرعب الشديد بخلاف الشيء الوارد تدريجا فإن النفس تتلقاه بصبر. [27] ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم. عطف على ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة [سورة النحل: 25] ، لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له. وضمير الجمع في قوله تعالى: يخزيهم عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم [سورة النحل: 24] . وذلك عائد إلى فالذين لا يؤمنون بالآخرة [سورة النحل: 22] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٣٥) ↗