البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٢٣

﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر (1) قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ، وقال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} [الزمر:45] . وقوله: {وهم مستكبرون} أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] ؛ ولهذا قال هاهنا: {لا جرم} أي: حقا {أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، {إنه لا يحب المستكبرين} يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: {ماذا أنزل ربكم قالوا} معرضين عن الجواب: {أساطير الأولين} أي: لم ينزل شيئا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي: مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] أي: يفترون على الرسول، ويقولون [فيه] (2) أقوالا مختلفة متضادة (3) ، كلها باطلة (4) كما قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الفرقان: 9] ، وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون: ساحر، وشاعر، وكاهن، ومجنون. ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي، لما {فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} [المدثر: 18 -24] أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه، قبحهم الله. قال الله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك فيتحملوا (5) أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم، أي: يصير (6) عليهم خطيئة ضلالهم (7) في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[النحل: 22] ، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] يقول: إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحدوه، ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد، كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مسعر، عن رجل: أن الحسن بن علي كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول: {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٩٨) ↗

التحرير والتنوير

والبعث: حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر. ويطلق على إثارة الجاثم. ومنه قولهم: بعثت البعير، إذا أثرته من مبركه. ولعله من إطلاق اسم الشيء على سببه. وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد الموت. فمن كان منهم ميتا فبعثه من جدثه، ومن كان منهم حيا فصادفته ساعة انتهاء الدنيا فمات ساعتئذ فبعثه هو إحياؤه عقب الموت، وبذلك لا يعكر إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفار الأحياء المهددين. ولا يستقيم أن يكون ضمير يشعرون عائدا إلى الذين تدعون، أي الأصنام. وأيان اسم استفهام عن الزمان. مركبة من (أي) و (آن) بمعنى أي زمن، وهي معلقة لفعل يشعرون عن العمل بالاستفهام، والمعنى: وما يشعرون بزمن بعثهم. وتقدم أيان في قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها في سورة الأعراف [187] . [22، 23] 23] إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) استئناف نتيجة لحاصل المحاجة الماضية، أي قد ثبت بما تقدم إبطال إلهية غير الله، فثبت أن لكم إلها واحدا لا شريك له، ولكون ما مضى كافيا في إبطال إنكارهم الوحدانية عريت الجملة عن المؤكد تنزيلا لحال المشركين بعد ما سمعوا من الأدلة منزلة من لا يظن به أنه يتردد في ذلك بخلاف قوله تعالى: ن إلهكم لواحد في سورة الصافات ; لأن ذلك ابتداء كلام لم يتقدمه دليل، كما أن قوله تعالى وإلهكم إله واحد في سورة البقرة [163] خطاب لأهل الكتاب.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٢٧) ↗