سورة النحل · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله تعالى: {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 21] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس {أموات غير أحياء} [النحل: 21] وجعلها جل ثناؤه PageEndV14P197 أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 21] «وهي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا» . وفي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٩٧) ↗التحرير والتنوير
يكون عالما بدقائق حركات تلك الأجزاء وهي بين ظاهر وخفي، فلذلك قال: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون. والمخاطب هنا هم المخاطبون بقوله تعالى: أفلا تذكرون [سورة النحل: 17] . وفيه تعريض بالتهديد والوعيد بأن الله محاسبهم على كفرهم. وفيه إعلام بأن أصنامهم بخلاف ذلك كما دل عليه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي فإنه يفيد القصر لرد دعوى الشركة. وقرأ حفص ما يسرون وما يعلنون بالتحتية فيهما، وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة. وعلى قراءته تكون الجملة أظهر في التهديد منها في قصد التعليم. [20، 21] 21] والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) عطف على جملة أفمن يخلق كمن لا يخلق [سورة النحل: 17] وجملة والله يعلم ما تسرون [سورة النحل: 19] . وما صدق الذين الأصنام. وظاهر أن الخطاب هنا متمحض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة. والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمنا مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام. فالخبر الأول وهو جملة لا يخلقون شيئا استفيد من جملة أفمن يخلق كمن لا يخلق. [سورة النحل: 17] وعطف وهم يخلقون ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها. والخبر الثاني وهو جملة أموات غير أحياء تصريح بما استفيد من جملة والله يعلم ما تسرون وما تعلنون [سورة النحل: 19] بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٢٥) ↗