سورة النحل · الآية ١١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذه القرية هي مكة المشرفة، التي كانت آمنة مطمئنة، لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها، وكذلك الرزق الواسع. كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [النحل: 33].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١١٢–١١٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57] وهكذا (1) قال هاهنا: {يأتيها رزقها رغدا} أي: هنيئها سهلا {من كل مكان فكفرت بأنعم الله} أي: جحدت آلاء الله عليها وأعظم ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 28، 29] . (2) ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} أي: ألبسها وأذاقها (3) الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وذلك لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة (4) أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز -وهو: وبر البعير، يجعل بدمه إذا نحروه. وقوله: {والخوف} وذلك بأنهم (5) بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة سراياه وجيوشه، وجعلوا كل ما لهم في سفال ودمار، حتى فتحها الله عليهم (6) وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا [يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور] } [الطلاق: 10، 11] (7) الآية وقوله (8) : {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} إلى قوله (9) : {ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152] . وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، بدل (10) الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم، وسادتهم وقادتهم (11) وأئمتهم. وهذا (12) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم {فكذبوه} [الأعراف: 64] ولم يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله. {فأخذهم العذاب} [النحل: 113] وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع PageEndV14P387 الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتل بالسيف {وهم ظالمون} [النحل: 113] يقول: وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٨٦) ↗التحرير والتنوير
يغشى الناس هذا عذاب أليم [سورة الدخان: 10] . وهو الدخان الذي كان يراه أهل مكة أيام القحط الذي أصابهم بدعاء النبيء صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا قوله بعد ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون [سورة النحل: 113] . ولعل المخاطب بهذا المثل هم المسلمون الذين هاجروا من بعد ما فتنوا، أي أصحاب هجرة الحبشة تسلية لهم عن مفارقة بلدهم، وبعثا لهم على أن يشكروا الله تعالى إذ أخرجهم من تلك القرية فسلموا مما أصاب أهلها وما يصيبهم. وتقدم معنى القرية عند قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية في سورة البقرة [259] . والمراد بالقرية أهلها إذ هم المقصود من القرية كقوله: وسئل القرية [سورة يوسف: 82] . والأمن: السلامة من تسلط العدو. والاطمئنان: الدعة وهدوء البال. وقد تقدم في قوله تعالى: ولكن ليطمئن قلبي في سورة البقرة [260] ، وقوله: فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة في [سورة النساء: 103] . وقدم الأمن على الطمأنينة إذ لا تحصل الطمأنينة بدونه، كما أن الخوف يسبب الانزعاج والقلق. وقوله: يأتيها رزقها رغدا تيسير الرزق فيها من أسباب راحة العيش، وقد كانت مكة كذلك. قال تعالى: أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء [سورة القصص: 57] . والرزق: الأقوات. وقد تقدم عند قوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه في سورة يوسف [37] . والرغد: الوافر الهنيء. وتقدم عند قوله: وكلا منها رغدا حيث شئتما في سورة البقرة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٣٠٥) ↗