سورة النحل · الآية ١٠٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة حال { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعمى بعد ما أبصر، ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر، راضيا به مطمئنا، أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم، الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وغضب عليهم كل شيء. { ولهم عذاب عظيم } أي: في غاية الشدة، مع أنه دائم أبدا. و { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } حيث ارتدوا على أدبارهم، طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه، وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان، منعهم الله الهداية، فلم يهدهم، لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم، ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة، وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها. { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وفاتهم النعيم المقيم، وحصلوا على العذاب الأليم. وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان، راغب فيه، فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك، على أن كلام المكره على الطلاق، أو العتاق، أو البيع، أو الشراء، أو سائر العقود، أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها، فغيرها من باب أولى وأحرى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٠٦–١٠٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الله، ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير! قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان. فقال: "إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل الله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (1) . ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر، إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي (2) أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد (3) الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة، أن عليا، رضي الله عنه، حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله". وكنت قاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن (5) عباس. رواه البخاري (6) . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال (7) رجل كان يهوديا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال: أحسب-شهرين فقال: والله لا أقعد (8) حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه. فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه-أو قال: من بدل دينه فاقتلوه (9) . وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر (10) . والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال (11) الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بعض نحويي البصرة: صار
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٧١) ↗التحرير والتنوير
وجملة إن الله يعلم ما تفعلون معترضة. وهي خبر مراد منه التحذير من التساهل في التمسك بالإيمان والإسلام لتذكيرهم أن الله يطلع على ما يفعلونه، فالتوكيد ب إن للاهتمام بالخبر. وكذلك التأكيد ببناء الجملة بالمسند الفعلي دون أن يقال: إن الله عليم، ولا: قد يعلم الله. واختير الفعل المضارع في يعلم وفي تفعلون لدلالته على التجدد، أي كلما فعلوا فعلا فالله يعلمه. والمقصود من هذه الجمل كلها من قوله: وأوفوا بعهد الله إلى هنا تأكيد الوصاية بحفظ عهد الإيمان. وعدم الارتداد إلى الكفر، وسد مداخل فتنة المشركين إلى نفوس المسلمين، إذ يصدونهم عن سبيل الإسلام بفنون الصد، كقولهم: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [سورة سبأ: 35] ، كما أشار إليه قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين. وقد تقدم ذلك في سورة الأنعام [53] . ولم يذكر المفسرون سببا لنزول هذه الآية، وليست بحاجة إلى سبب. وذكروا في الآية الآتية وهي قوله: من كفر بالله من بعد إيمانه [سورة النحل: 106] أن آية وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم إلى آخرها نزلت في الذين رجعوا إلى الكفر بعد الإيمان لما فتنهم المشركون كما سيأتي، فجعلوا بين الآيتين اتصالا. قال في «الكشاف» : كأن قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم ما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله اه. يريد أن لهجة التحذير في هذا الكلام إلى قوله: إنما يبلوكم الله به [سورة النحل: 92] تنبىء عن حالة من الوسوسة داخلت قلوب بعض حديثي الإسلام فنبأهم الله بها وحذرهم منها فسلموا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٦٣) ↗