سورة النحل · الآية ١٠٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن قيل المشركين المكذبين لرسوله { أنهم يقولون إنما يعلمه } هذا الكتاب الذي جاء به { بشر } وذلك البشر، الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان { وهذا } القرآن { لسان عربي مبين } هل هذا القول ممكن؟ أو له حظ من الاحتمال؟ ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره. { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } الدالة دلالة صريحة على الحق المبين، فيردونها ولا يقبلونها { لا يهديهم الله } حيث جاءهم الهدى، فردوه، فعوقبوا بحرمانه، وخذلان الله لهم. { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم }. { إنما يفتري الكذب } أي: إنما يصدر افتراء الكذب من { الذين لا يؤمنون بآيات الله } كالمعاندين لرسوله من بعد ما جاءتهم البينات. { وأولئك هم الكاذبون } أي: الكذب منحصر فيهم وعليهم أولى بأن يطلق من غيرهم. وأما محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن بآيات الله، الخاضع لربه، فمحال أن يكذب على الله، ويتقول عليه ما لم يقل، فأعداؤه رموه بالكذب الذي هو وصفهم، فأظهر الله خزيهم وبين فضائحهم، فله تعالى الحمد.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٠٣–١٠٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، [فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الحضرمي] (1) فأنزل الله: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} (2) وكذا قال عبد الله بن كثير: وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، وكان اسمه بلغام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، قالوا: إنما يعلمه بلغام، فأنزل الله هذه الآية: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} (3) . وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة وقال عبيد الله (4) بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهما (5) ، فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة، قبحه الله!. يخبر تعالى أنه لا يهدي (6) من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله، ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة. ثم أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب؛ لأنه {إنما يفتري الكذب} على الله وعلى رسوله شرار الخلق، {الذين لا يؤمنون بآيات الله} من الكفرة والملحدين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله تعالى ذكره مكذبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون؟ إن لسان الذي تلحدون إليه، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدا أعجمي وذلك أنهم فيما ذكر كانوا يزعمون أن الذي يعلم محمدا هذا القرآن عبد رومي، فلذلك قال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل: 103] يقول: وهذا القرآن لسان عربي مبين.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٦٤) ↗التحرير والتنوير
ليثبت وإن كان مجرور اللفظ باللام إذ لا يسوغ نصبه على المفعول لأجله لأنه ليس مصدرا صريحا. وأما هدى وبشرى فلما كانا مصدرين كانا حقيقين بالنصب على المفعول لأجله بحيث لو ظهر إعرابهما لكانا منصوبين كما في قوله تعالى: لتركبوها وزينة [سورة النحل: 8] . [103] 103] ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) عطف على جملة وإذا بدلنا آية مكان آية [سورة النحل: 101] . وهذا إبطال لتلبيس آخر مما يلبسون به على عامتهم، وذلك أن يقولوا: إن محمدا يتلقى القرآن من رجل من أهل مكة. قيل: قائل ذلك الوليد بن المغيرة وغيره، قال عنه تعالى: فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر [سورة المدثر: 24] ، أي لا يلقنه ملك بل يعلمه إنسان، وقد عينوه بما دل عليه قوله تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وافتتاح الجملة بالتأكيد بلام القسم و (قد) يشير إلى أن خاصة المشركين كانوا يقولون ذلك لعامتهم ولا يجهرون به بين المسلمين لأنه باطل مكشوف، وأن الله أطلع المسلمين على ذلك. فقد كان في مكة غلام رومي كان مولى لعامر بن الحضرمي اسمه جبر كان يصنع السيوف بمكة ويقرأ من الإنجيل ما يقرأ أمثاله من عامة النصارى من دعوات الصلوات، فاتخذ زعماء المشركين من ذلك تمويها على العامة، فإن معظم أهل مكة كانوا أميين فكانوا يحسبون من يتلو كلمات يحفظها ولو محرفة، أو يكتب حروفا يتعلمها، يحسبونه على علم، وكان النبيء صلى الله عليه وسلم لما جانبه قومه وقاطعوه يجلس إلى هذا الغلام، وكان هذا الغلام قد أظهر الإسلام فقالت قريش. هذا يعلم محمدا ما يقوله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٨٦) ↗