سورة الحجر · الآية ٩٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى ممتنا على رسوله: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة ". أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف " القرآن العظيم " على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني، كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] ولذلك قال بعده: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغتر بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { ولا تحزن عليهم } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في المؤمنين عنهم أحسن البدل، وأفضل العوض، { واخفض جناحك للمؤمنين } أي: ألن لهم جانبك، وحسن لهم خلقك، محبة وإكراما وتوددا، { وقل إني أنا النذير المبين } أي: قم بما عليك من النذارة، وأداء الرسالة، والتبليغ للقريب والبعيد، والعدو، والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك، فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. وقوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد الناس عن سبيل الله. { الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول: كهانة، ومنهم من يقول: مفترى، إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر} قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا (1) وقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير -خمسة نفر، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن المطلب أبو (2) زمعة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني -قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به] (3) فقال: اللهم، أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد. ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان -فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء، أنزل الله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين} إلى قوله: {فسوف يعلمون} وقال ابن إسحاق: فحدث يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره (4) من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود [ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود] (5) بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى (6) بطنه، فمات منه حبنا، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض (7) على شبرقة فدخلت في أخمص رجله منها شوكة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
اعملوا على حيالكم وناحيتكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٦٧) ↗التحرير والتنوير
واعلم أن معنى المقتسمين على الوجه المختار المقتسمون القرآن. وهذا هو معنى جعلوا القرآن عضين، فكان ثاني الوصفين بيانا لأولهما وإنما اختلفت العبارتان للتفنن. وأن ذم المشبه بهم يقتضي ذم المشبهين فعلم أن المشبهين قد تلقوا القرآن العظيم بالرد والتكذيب. [92، 93] 93] فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) الفاء للتفريع، وهذا تفريع على ما سبق من قوله تعالى: وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل [سورة الحجر: 85] . والواو للقسم، فالمفرع هو القسم وجوابه. والمقصود بالقسم تأكيد الخبر. وليس الرسول- عليه الصلاة والسلام- ممن يشك في صدق هذا الوعيد ولكن التأكيد متسلط على ما في الخبر من تهديد معاد ضمير النصب في لنسئلنهم. ووصف الرب مضافا إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن في السؤال المقسم عليه حظا من التنويه به، وهو سؤال الله المكذبين عن تكذيبهم إياه سؤال رب يغضب لرسوله- عليه الصلاة والسلام-. والسؤال مستعمل في لازم معناه وهو عقاب المسئول كقوله تعالى: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم [سورة التكاثر: 8] فهو وعيد للفريقين. [94- 96] فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) تفريع على جملة ولقد آتيناك سبعا من المثاني [سورة الحجر: 87] بصريحه وكنايته عن التسلية على ما يلاقيه من تكذيب قومه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٨٧) ↗