سورة الحجر · الآية ٩٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى ممتنا على رسوله: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة ". أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف " القرآن العظيم " على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني، كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] ولذلك قال بعده: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغتر بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { ولا تحزن عليهم } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في المؤمنين عنهم أحسن البدل، وأفضل العوض، { واخفض جناحك للمؤمنين } أي: ألن لهم جانبك، وحسن لهم خلقك، محبة وإكراما وتوددا، { وقل إني أنا النذير المبين } أي: قم بما عليك من النذارة، وأداء الرسالة، والتبليغ للقريب والبعيد، والعدو، والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك، فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. وقوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد الناس عن سبيل الله. { الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول: كهانة، ومنهم من يقول: مفترى، إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الأسود بن المطلب أبو (2) زمعة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني -قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به] (3) فقال: اللهم، أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد. ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان -فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء، أنزل الله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين} إلى قوله: {فسوف يعلمون} وقال ابن إسحاق: فحدث يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره (4) من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود [ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود] (5) بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى (6) بطنه، فمات منه حبنا، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض (7) على شبرقة فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحا، فقتله (8) قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة، وهو الذي جمعهم. وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدا يقول: الحارث بن غيطلة. وعكرمة يقول: الحارث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أمرناهم به، وفيما بعثناك به إليهم من آي كتابي الذي أنزلته إليهم، وفيما دعوناهم إليه من الإقرار به، ومن توحيدي، والبراءة من الأنداد والأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٣٩) ↗التحرير والتنوير
ولما كان هذا النهي يتضمن شدة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق للمؤمنين بقوله واخفض جناحك للمؤمنين. وهو اعتراض مراد منه الاحتراس. وهذا كقوله: أشداء على الكفار رحماء بينهم [سورة الفتح: 29] . وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع حفض جناحه يريد الدنو، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة والرفق، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه. وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية، والجناح تخييل. وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة [سورة الإسراء: 24] وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت كالمثل في التواضع واللين في المعاملة. وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء والشدة. ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب من كان متواضعا فظهر منه تكبر (ذكره في سورة الشعراء) : وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعة أجدلا وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [سورة الحجر: 94] . وجملة وقل إني أنا النذير المبين عطف على جملة ولا تحزن عليهم. فالمقول لهم هذا القول هم المتحدث عنهم بالضمائر السابقة في قوله تعالى: منهم وقوله: عليهم. فالتقدير: وقل لهم لأن هذا القول مراد منه المتاركة، أي ما علي إلا إنذاركم، والقرينة هي ذكر النذارة دون البشارة لأن النذارة تناسب المكذبين إذ النذارة هي الإعلام بحدث فيه ضر. والنذير: فعيل بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم، وضرب وجيع، أي موجع. والقصر المستفاد من ضمير الفصل ومن تعريف الجزءين قصر قلب، أي لست كما تحسبون أنكم تغيظونني بعدم إيمانكم فإني نذير مبين غير متقايض معكم لتحصيل إيمانكم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٨٣) ↗