سورة الحجر · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاء وسخرية: { يأيها الذي نزل عليه الذكر } على زعمك { إنك لمجنون } إذ تظن أنا سنتبعك، ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد قولك. { لو ما تأتينا بالملائكة } يشهدون لك بصحة ما جئت به { إن كنت من الصادقين } فلما لم تأت بالملائكة فلست بصادق، وهذا من أعظم الظلم والجهل. أما الظلم فظاهر، فإن هذا تجرؤ على الله وتعنت بتعيين الآيات التي لم يخترها، وحصل المقصود والبرهان بدونها من الآيات الكثيرة، الدالة على صحة ما جاء به، وأما الجهل، فإنهم جهلوا مصلحتهم من مضرتهم، فليس في إنزال الملائكة، خير لهم، بل لا ينزل الله الملائكة إلا بالحق الذي لا إمهال على من لم يتبعه وينقد له. { وما كانوا إذا } أي: حين تنزل الملائكة، إن لم يؤمنوا، ولن يؤمنوا ب { منظرين } أي: بمهملين، فصار طلبهم لإنزال الملائكة تعجيلا لأنفسهم بالهلاك والدمار، فإن الإيمان ليس في أيديهم، وإنما هو بيد الله، ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون [الأنعام: 111] ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ولهذا قال هنا: { إنا نحن نزلنا الذكر } أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء، من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر، { وإنا له لحافظون } أي: في حال إنزاله، وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه، إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٦–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، رضي الله عنهم (1) . وقد روى البخاري هذا [الحديث] (2) في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به (3) . وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق، رضي الله عنه، فإنه أقامه الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم مقاما لا ينبغي لأحد بعده، قاتل الأعداء من مانعي الزكاة، والمرتدين، والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله، وكان هذا من سر قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] فجمع الصديق الخير وكف الشرور، رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا روى غير واحد من الأئمة منهم وكيع وابن زيد وقبيصة عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين (4) . إسناده صحيح. وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ختمه (5) . صحيح أيضا. وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء، أي اشتد القتل وكثر في قراء القرآن يوم اليمامة، يعني: يوم اليمامة، يعني يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه ومن بني حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت، وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفا، فالتقوا معهم (6) فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد، يقولون: ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا (7) منهم، وانفردوا، فكانوا قريبا من ثلاثة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
«له» من ذكر الذكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٨) ↗التحرير والتنوير
وتقدير الكلام لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين إذن ما كنتم منظرين بالحياة ولعجل لكم الاستئصال إذ ما تنزل الملائكة إلا مصحوبين بالعذاب الحاق. وهذا المعنى وارد في قوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب [سورة العنكبوت: 53] . وقرأ الجمهور ما تنزل بفتح التاء على أن أصله (تتنزل) . وقرأ أبو بكر عن عاصم- بضم التاء وفتح الزاي على البناء للمجهول ورفع الملائكة على النيابة-. وقرأ الكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف ما ننزل الملائكة- بنون في أوله وكسر الزاي ونصب الملائكة على المفعولية-. [9] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به، إذ قالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر [سورة الحجر: 6] ، بعد أن عجل كشف شبهتهم في قولهم: لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين [سورة الحجر: 7] . جاء نشر الجوابين على عكس لف المقالين اهتماما بالابتداء برد المقال الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام، ثم ثني العنان إلى رد تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة. وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول صلى الله عليه وسلم مجاراة لظاهر كلامهم. والمقصود الرد عليهم في استهزائهم، فأكد الخبر ب إنا وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [سورة المنافقون: 1] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٠) ↗