سورة الحجر · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ما خلقناهما عبثا وباطلا كما يظن ذلك أعداء الله، بل ما خلقناهما { إلا بالحق } الذي منه، أن يكونا بما فيهما دالتين على كمال خالقهما، واقتداره، وسعة رحمته وحكمته، وعلمه المحيط، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، { وإن الساعة لآتية } لا ريب فيها لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: 57] { فاصفح الصفح الجميل } وهو الصفح الذي لا أذية فيه، بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا. وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل، أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة، وهذا هو المعنى. { إن ربك هو الخلاق } لكل مخلوق { العليم } بكل شيء، فلا يعجزه أحد من جميع ما أحاط به علمه، وجرى عليه خلقه، وذلك سائر الموجودات.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٨٥–٨٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شرع بعد الهجرة. وقوله: {إن ربك هو الخلاق العليم} تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق ما يشاء، وهو العليم بما تمزق (1) من الأجساد، وتفرق (2) في سائر أقطار الأرض، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس: 81-83] . يقول تعالى لنبيه: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك. {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 215] أي: ألن لهم جانبك (3) كما قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] وقد اختلف في السبع المثاني: ما هي؟ فقال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك وغير واحد: هي السبع الطول. يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال سعيد: بين (4) فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكام. وقال ابن عباس: بين (5) الأمثال والخبر والعبر (6) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: {المثاني} المثنى: (7) البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة (8) سورة واحدة. قال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن ثنتين. رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار (9) عن سعيد بن جبير عنه. [و] (10) قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني الطول، وأوتي موسى، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
و (آمنين) حال من ضمير ينحتون وهي حال مقدرة، أي مقدرين أن يكونوا آمنين عقب نحتها وسكناها. وكانت لهم بمنزلة الحصون لا ينالهم فيها العدو. ولكنهم نسوا أنها لا تأمنهم من عذاب الله فلذلك قال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. والفاء في فأخذتهم الصيحة للتعقيب والسببية. ومصبحين حال، أي داخلين في وقت الصباح. وما كانوا يكسبون أي يصنعون، أي البيوت التي عنوا بتحصينها وتحسينها كما دل عليه فعل كانوا. وصيغة المضارع في يكسبون لدلالتها على التكرر والتجدد المكنى به عن إتقان الصنعة. وبذلك كان موقع الموصول والصلة أبلغ من موقع لفظ (بيوتهم) مثلا، ليدل على أن الذي لم يغن عنهم شيء متخذ للإغناء ومن شأنه ذلك. [85، 86] وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) موقع الواو في صدر هذه الجملة بديع. فهذه الجملة صالحة لأن تكون تذييلا لقصص الأمم المعذبة ببيان أن ما أصابهم قد استحقوه فهو من عدل الله بالجزاء على الأعمال بما يناسبها، ولأن تكون تصديرا للجملة التي بعدها وهي جملة وإن الساعة لآتية. والمراد ساعة جزاء المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم أي ساعة البعث. فعلى الأول تكون الواو اعتراضية أو حالية، وعلى الثاني عاطفة جملة على جملة وخبرا على خبر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٧٤) ↗