سورة الحجر · الآية ٨٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن أهل الحجر، وهم قوم صالح الذين كانوا يسكنون الحجر المعروف في أرض الحجاز، أنهم كذبوا المرسلين، أي: كذبوا صالحا، ومن كذب رسولا فقد كذب سائر الرسل، لاتفاق دعوتهم، وليس تكذيب بعضهم لشخصه، بل لما جاء به من الحق الذي اشترك جميع الرسل بالإتيان به، { وآتيناهم آياتنا } الدالة على صحة ما جاءهم به صالح من الحق، التي من جملتها تلك الناقة، التي هي من آيات الله العظيمة. { فكانوا عنها معرضين } كبرا وتجبرا على الله، { وكانوا } من كثرة إنعام الله عليهم، { ينحتون من الجبال بيوتا آمنين } من المخاوف، مطمئنين في ديارهم، فلو شكروا النعمة وصدقوا نبيهم صالحا عليه السلام، لأدر الله عليهم الأرزاق، ولأكرمهم بأنواع من الثواب العاجل والآجل، ولكنهم - لما كذبوا وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم وقالوا: ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين [الأعراف: 77]. { فأخذتهم الصيحة مصبحين } فتقطعت قلوبهم في أجوافهم، وأصبحوا في دارهم جاثمين هلكى، مع ما يتبع ذلك من الخزي واللعنة المستمرة { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } لأن أمر الله إذا جاء لا يرده كثرة جنود، ولا قوة أنصار، ولا غزارة أموال.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٨٠–٨٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… شرب يوم معلوم. فلما عتوا وعقروها قال لهم: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] وقال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] وذكر تعالى: أنهم {كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين} أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرا وبطرا وعبثا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر، الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم" (2) وقوله: {فأخذتهم الصيحة مصبحين} أي: وقت الصباح من (3) اليوم الرابع، {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك. يقول تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي: بالعدل؛ {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] وقال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] وقال {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115-116] ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين، في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم (4) به، كما قال تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} (5) [الزخرف: 89] وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا فإن هذه مكية، والقتال إنما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٤٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التي نحتوها من الجبال، وقيل: آمنين من الموت. PageEndV14P105 وقوله: {فأخذتهم الصيحة مصبحين} [الحجر: 83] يقول: فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وعدوا العذاب، وقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. وقوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} [الحجر: 84] يقول: فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يجترحون من الأعمال الخبيثة قبل ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٠٤) ↗التحرير والتنوير
والإمام: الطريق الواضح لأنه يأتم به السائر، أي يعرف أنه يوصل إذ لا يخفى عنه شيء منه. والمبين: البين، أي أن كلتا القريتين بطريق القوافل بأهل مكة. وقد تقدم آنفا قوله: وإنها لبسبيل مقيم [سورة الحجر: 76] فإدخال مدينة لوط- عليه السلام- في الضمير هنا تأكيد للأول. ويظهر أن ضمير التثنية عائد على أصحاب الأيكة باعتبار أنهم قبيلتان، وهما مدين وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم، فإن إبراهيم- عليه السلام- أسكن ابنه مدين في شرق بلاد الخليل، ولا يكون إلا في أرض مأهولة. وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيب- عليه السلام- باسم مدين مرات وباسم أصحاب الأيكة مرات. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في سورة الشعراء. [80- 84] 84] ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) جمعت قصص هؤلاء الأمم الثلاث: قوم لوط، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الحجر في نسق، لتماثل حال العذاب الذي سلط عليها وهو عذاب الصيحة والرجفة والصاعقة. وأصحاب الحجر هم ثمود كانوا ينزلون الحجر- بكسر الحاء وسكون الجيم-. والحجر: المكان المحجور، أي الممنوع من الناس بسبب اختصاص
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٧٢) ↗