سورة الحجر · الآية ٧١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { قال } الخليل عليه السلام للملائكة: { فما خطبكم أيها المرسلون } أي: ما شأنكم، ولأي شيء أرسلتم؟ { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } أي: كثر فسادهم وعظم شرهم، لنعذبهم ونعاقبهم، { إلا آل لوط } أي: إلا لوطا وأهله { إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } أي: الباقين بالعذاب، وأما لوط فسنخرجنه وأهله وننجيهم منها، فجعل إبراهيم يجادل الرسل في إهلاكهم، ويراجعهم، فقيل له: يإبرهيم أعرض عن هذآ إنه قد جآء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود [هود: 76] فذهبوا منه. { فلما جآء آل لوط المرسلون * قال } لهم لوط { إنكم قوم منكرون } أي: لا أعرفكم ولا أدري من أنتم. { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } أي جئناك بعذابهم الذي كانوا يشكون فيه، ويكذبونك حين تعدهم به، { وآتيناك بالحق } الذي ليس بالهزل { وإنا لصادقون } فيما قلنا لك. { فأسر بأهلك بقطع من اليل } أي: في أثنائه حين تنام العيون ولا يدري أحد عن مسراك، { ولا يلتفت منكم أحد } أي: بادروا وأسرعوا { وامضوا حيث تؤمرون } كأن معهم دليلا يدلهم إلى أين يتوجهون { وقضينآ إليه ذلك } أي: أخبرناه خبرا لا مثنوية فيه { الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } أي سيصبحهم العذاب الذي يجتاحهم ويستأصلهم، { وجآء أهل المدينة } أي المدينة التي فيها لوط { يستبشرون } أي: يبشر بعضهم بعضا، بأضياف لوط وصباحة وجوههم واقتدارهم عليهم، وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم، فجاؤوا حتى وصلوا إلى بيت لوط، فجعلوا يعالجون لوطا على أضيافه، ولوط يستعيذ منهم ويقول: { إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون } أي: راقبوا الله أول ذلك، وإن كان ليس فيكم خوف من الله، فلا تفضحون في أضيافي، وتنتهكوا منهم الأمر الشنيع. ف { قالوا } له جوابا عن قوله ولا تخزون فقط: { أو لم ننهك عن العالمين } أن تضيفهم فنحن قد أنذرناك، ومن أنذر فقد أعذر. ف { قال } لهم لوط من شدة الأمر الذي أصابه: { هؤلآء بناتي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وسفيان بن عيينة] (8) . وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي: لم يزل هذا من سجيتهم [إلى وقت آخر] (9) حتى أخذوا وهم على ذلك الحال. وقوله: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد [للرجال والنساء] (10) ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع (11) لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 165، 166] ، وقوله في الآية الأخرى: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} [الحجر:70] أي: ألم (12) ننهك عن ضيافة الرجال {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر:71، 72] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال (13) مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة، وغير واحد. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم، هن بناته، وهو أب لهم (14) ويقال في بعض القراءات (15) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم. وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقوله: {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم (16) ، {أليس منكم رجل رشيد} أي: [ليس منكم رجل] (17) فيه خير، يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ومنتهين إلى أمري كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} [الحجر: 71] «أمرهم نبي الله لوط أن يتزوجوا النساء، وأراد أن يقي أضيافه ببناته»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٩١) ↗التحرير والتنوير
77] قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) الواو في أولم ننهك عطف على كلام لوط- عليه السلام- جار على طريقة العطف على كلام الغير كقوله تعالى: قال ومن ذريتي بعد قوله تعالى: قال إني جاعلك للناس إماما في سورة البقرة [124] . والاستفهام إنكاري، والمعطوف هو الإنكار. والعالمين الناس. وتعدية النهي إلى ذات العالمين على تقدير مضاف دل عليه المقام، أي ألم ننهك عن حماية الناس أو عن إجارتهم، أي أن عليك أن تخلي بيننا وبين عادتنا حتى لا يطمع المارون في حمايتك، وقد كانوا يقطعون السبيل يتعرضون للمارين على قراهم. والعالمين تقدم في الفاتحة. وأرادوا به هنا أصناف القبائل لقصد التعميم. وعرض عليهم بناته ظنا أن ذلك يردعهم ويطفىء شبقهم. ولذلك قال: إن كنتم فاعلين. وقد تقدم في سورة هود معنى عرضه بناته، وأن قوله: بناتي يجوز أن يراد به بنات صلبه وكن اثنتين أو ثلاثا، ويجوز أن يراد به بنات القوم كلهم تنزيلا لهم منزلة بناته لأن النبيء كأب لأمته. وجملة لعمرك إنهم لفي سكراتهم يعمهون معترضة بين أجزاء القصة للعبرة في عدم جدوى الموعظة فيمن يكون في سكرة هواه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٦٧) ↗