سورة الحجر · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاء وسخرية: { يأيها الذي نزل عليه الذكر } على زعمك { إنك لمجنون } إذ تظن أنا سنتبعك، ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد قولك. { لو ما تأتينا بالملائكة } يشهدون لك بصحة ما جئت به { إن كنت من الصادقين } فلما لم تأت بالملائكة فلست بصادق، وهذا من أعظم الظلم والجهل. أما الظلم فظاهر، فإن هذا تجرؤ على الله وتعنت بتعيين الآيات التي لم يخترها، وحصل المقصود والبرهان بدونها من الآيات الكثيرة، الدالة على صحة ما جاء به، وأما الجهل، فإنهم جهلوا مصلحتهم من مضرتهم، فليس في إنزال الملائكة، خير لهم، بل لا ينزل الله الملائكة إلا بالحق الذي لا إمهال على من لم يتبعه وينقد له. { وما كانوا إذا } أي: حين تنزل الملائكة، إن لم يؤمنوا، ولن يؤمنوا ب { منظرين } أي: بمهملين، فصار طلبهم لإنزال الملائكة تعجيلا لأنفسهم بالهلاك والدمار، فإن الإيمان ليس في أيديهم، وإنما هو بيد الله، ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون [الأنعام: 111] ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ولهذا قال هنا: { إنا نحن نزلنا الذكر } أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء، من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر، { وإنا له لحافظون } أي: في حال إنزاله، وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه، إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٦–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {ويستعجلونك} (1) أي: هؤلاء المكذبون {بالسيئة قبل الحسنة} أي: بالعقوبة، كما أخبر عنهم في قوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين * ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} [الحجر:6 -8] وقال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [العنكبوت: 53، 54] وقال: {سأل سائل بعذاب واقع} [المعارج: 1] وقال: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} [الشورى: 18] {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16] أي: حسابنا وعقابنا، كما قال مخبرا عنهم: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فكانوا (2) يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم. قال الله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات} أي: قد أوقعنا نقمتنا بالأمم الخالية وجعلناهم مثلة وعبرة وعظة لمن اتعظ بهم. ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه [وغفره] (3) لعالجهم بالعقوبة، كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] (4) . وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي: إنه ذو عفو وصفح (5) وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147] وقال: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر:49، 50] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف. وقال …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لمجنون} [الحجر: 6] في دعائك إيانا إلى أن نتبعك ونذر آلهتنا. {لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر: 7] قالوا: هلا تأتينا بالملائكة شاهدة لك على صدق ما تقول {إن كنت من الصادقين} [الأعراف: 70] يعني: إن كنت صادقا في أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا، فإن الرب الذي فعل ما تقول بك لا يتعذر عليه إرسال ملك من ملائكته معك، حجة لك علينا، وآية لك على نبوتك وصدق مقالتك، والعرب تضع موضع «لو ما» لولا «، وموضع» لولا «لو ما» ، من ذلك قول ابن مقبل: [البحر البسيط] لوما الحياء ولوما الدين عبتكما %~% ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري يريد: لولا الحياء.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٥) ↗التحرير والتنوير
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) عطف على جملة ذرهم يأكلوا ويتمتعوا [سورة الحجر: 3] . والمناسبة أن المعطوف عليها تضمنت انهماكهم في الملذات والآمال، وهذه تضمنت توغلهم في الكفر وتكذيبهم الرسالة المحمدية. والمعنى: ذرهم يكذبون ويقولون شتى القول من التكذيب والاستهزاء. والجملة كلها من مقولهم. والنداء في يا أيها الذي نزل عليه الذكر للتشهير بالوصف المنادى به، واختيار الموصولية لما في الصلة من المعنى الذي جعلوه سبب التهكم. وقرينة التهكم قولهم: إنك لمجنون. وقد أرادوا الاستهزاء بوصفه فأنطقهم الله بالحق فيه صرفا لألسنتهم عن الشتم. وهذا كما كانوا إذا شتموا النبيء صلى الله عليه وسلم أو هجوه يدعونه مذمما فقال النبيء صلى الله عليه وسلم لعائشة: «ألم تري كيف صرف الله عني أذى المشركين وسبهم، يسبون مذمما وأنا محمد» . وفي هذا إسناد الصلة إلى الموصول بحسب ما يدعبه صاحب اسم الموصول، لا بحسب اعتقاد المتكلم على طريقة التهكم. والذكر: مصدر ذكر، إذا تلفظ. ومصدر ذكر إذا خطر بباله شيء. فالذكر الكلام الموحى به ليتلى ويكرر، فهو للتلاوة لأنه يذكر ويعاد إما لأن فيه التذكير بالله واليوم الآخر، وإما بمعنى أن به ذكرهم في الآخرين، وقد شملها قوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم [سورة الأنبياء: 10] وقال: وإنه لذكر لك ولقومك [سورة الزخرف: 44] والمراد به هنا القرآن.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٦) ↗