سورة الحجر · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } أي: عن تلك القصة العجيبة، فإن في قصك عليهم أنباء الرسل وما جرى لهم، ما يوجب لهم العبرة والاقتداء بهم، خصوصا إبراهيم الخليل، الذي أمرنا الله أن نتبع ملته، وضيفه هم الملائكة الكرام، أكرمه الله بأن جعلهم أضيافه. { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } أي: سلموا عليه، فرد عليهم { قال إنا منكم وجلون } أي: خائفون، لأنه لما دخلوا عليه وحسبهم ضيوفا، ذهب مسرعا إلى بيته فأحضر لهم ضيافتهم، عجلا حنيذا فقدمه إليهم، فلما رأى أيديهم لا تصل، إليه خاف منهم أن يكونوا لصوصا أو نحوهم. ف { قالوا } له: { لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } وهو: إسحاق عليه الصلاة والسلام، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى، عليم أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [الصافات: 112]. فقال لهم متعجبا من هذه البشارة: { أبشرتموني } بالولد { على أن مسني الكبر } وصار نوع إياس منه { فبم تبشرون } أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟ { قالوا بشرناك بالحق } الذي لا شك فيه، لأن الله على كل شيء قدير، وأنتم بالخصوص - يا أهل هذا البيت - رحمة الله وبركاته عليكم، فلا يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم. { فلا تكن من القانطين } الذين يستبعدون وجود الخير، بل لا تزال راجيا لفضل الله وإحسانه، وبره وامتنانه، فأجابهم إبراهيم بقوله: { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } الذين لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره وأما من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه، لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئا كثيرا، ثم لما بشروه بهذه البشارة، عرف أنهم مرسلون لأمر مهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٥١–٥٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال (1) متعجبا من كبره وكبر زوجته ومتحققا للوعد: {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقا وبشارة بعد بشارة، {قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} وقرأ بعضهم: "القنطين" (2) -فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. يقول تعالى إخبارا عن إبراهيم، عليه السلام، لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: إنه شرع يسألهم عما جاؤوا له، فقالوا: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} يعنون: قوم لوط. وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين؛ ولهذا قالوا: {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} أي: الباقين المهلكين. يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: {إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} يعنون: بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم، {وأتيناك بالحق} كما قال تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} [الحجر: 8] وقوله: {وإنا لصادقون} تأكيد لخبرهم (3) إياه بما أخبروه به، من نجاته وإهلاك قومه، [والله أعلم] (4) يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط، عليه السلام، يمشي وراءهم، ليكون أحفظ لهم. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الغزاة بما كان يكون (5) ساقة، يزجي الضعيف، ويحمل المنقطع (6) وقوله: {ولا يلتفت منكم أحد} أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٤١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولكن أبشر بما بشرناك به واقبل البشرى. واختلفت القراء في قراءة قوله: {من القانطين} [الحجر: 55] فقرأته عامة قراء الأمصار: {من القانطين} [الحجر: 55] بالألف، وذكر عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ ذلك: (القنطين) . والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة على PageEndV14P085 ذلك وشذوذ ما خالفه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٨٤) ↗التحرير والتنوير
وابتداء الكلام بفعل الإنباء لتشويق السامعين إلى ما بعده كقوله تعالى: هل أتاك حديث الجنود [سورة البروج: 17] ونحوه. والمقصود هو قوله تعالى الآتي: ونبئهم عن ضيف إبراهيم [سورة الحجر: 51] . وإنما قدم الأمر بإعلام الناس بمغفرة الله وعذابه ابتداء بالموعظة الأصلية قبل الموعظة بجزئيات حوادث الانتقام من المعاندين وإنجاء من بينهم من المؤمنين لأن ذلك دائر بين أثر الغفران وبين أثر العذاب. وقدمت المغفرة على العذاب لسبق رحمته غضبه. وضمير أنا وضمير هو ضميرا فصل يفيدان تأكيد الخبر. واعلم أن في قوله تعالى: نبىء عبادي إلى الرحيم من المحسنات البديعية محسن الاتزان إذا سكنت ياء أني على قراءة الجمهور بتسكينها، فإن الآية تأتي متزنة على ميزان بحر المجتث الذي لحقه الخبن في عروضه وضربه فهو متفعلن فعلاتن مرتين. [51- 56] 56] ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) هذا العطف مع اتحاد الفعل المعطوف بالفعل المعطوف عليه في الصيغة دليل على أن المقصود الإنباء بكلا الأمرين لمناسبة ذكر القصة أنها من مظاهر رحمته تعالى وعذابه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٥٧) ↗