سورة الحجر · الآية ٤٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { إن المتقين } الذين اتقوا طاعة الشيطان، وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { في جنات وعيون } قد احتوت على جميع الأشجار، وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات. ويقال لهم حال دخولها: { ادخلوها بسلام آمنين } من الموت، والنوم والنصب، واللغوب، وانقطاع شيء من النعيم، الذي هم فيه أو نقصانه، ومن المرض، والحزن، والهم، وسائر المكدرات، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد، متصافية متحابة { إخونا على سرر متقبلين }. دل ذلك على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلا للآخر لا مستدبرا له، متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر. { لا يمسهم فيها نصب } لا ظاهر ولا باطن، وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة، لا تقبل شيئا من الآفات، { وما هم منها بمخرجين } على سائر الأوقات. ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال: { نبىء عبادي } أي: أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة، { أني أنا الغفور الرحيم } فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم { وأن عذابي هو العذاب الأليم } أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله، الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد [الفجر: 25-26] حذروا، وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٤٥–٥٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعضهم، مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة" (1) وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد -هو ابن سيرين -قال: استأذن الأشتر على علي، رضي الله عنه، وعنده ابن لطلحة، فحبسه ثم أذن له. فلما دخل قال: إني لأراك إنما احتبستني لهذا؟ قال: أجل. قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني؟ قال: أجل إني (2) لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل [إخوانا] على سرر متقابلين} (3) (4) وحدثنا الحسن: حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة -مولى لطلحة -قال: دخل عمران بن طلحة على علي، رضي الله عنه، بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} -قال: ورجلان جالسان على ناحية البساط، فقالا الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس، وتكونون إخوانا! فقال علي، رضي الله عنه: قوما أبعد أرض وأسحقها! فمن هو إذا إن لم أكن أنا وطلحة، وذكر أبو معاوية الحديث بطوله (5) وروى وكيع، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن خراش، عن علي، نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذاك يا أمير المؤمنين. قال: فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هو؟ (6) وقال سعيد بن مسروق، عن أبي طلحة -وذكره-فيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي، رضي الله عنه، فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم (7) يا أعور إذا لم نكن نحن؟ وقال سفيان الثوري: عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي، رضي الله عنه فحجبه طويلا ثم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ونعيمها وما أعطاهم الله فيها بمخرجين، بل ذلك دائم أبدا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٨١) ↗التحرير والتنوير
المسلمين، والشدة في إقامة الحق على حسب اجتهادهم. كما روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: إني لأرجو من أن أكون أنا وطلحة ممن قال الله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا . فقال جاهل من شيعة علي اسمه الحارث بن الأعور الهمذاني: كلا، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد. فقال علي: «فلمن هذه الآية لا أم لك بفيك التراب» . والسرر: جمع سرير. وهو محمل كالكرسي متسع يمكن الاضطجاع عليه. والاتكاء: مجلس أصحاب الدعة والرفاهية لتمكن الجالس عليه من التقلب كيف شاء حتى إذا مل جلسة انقلب لغيرها. والتقابل: كون الواحد قبالة غيره، وهو أدخل في التأنس بالرؤية والمحادثة. والمس: كناية عن الإصابة. والنصب: التعب الناشئ عن استعمال الجهد. [49، 50] 50] نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) هذا تصدير لذكر القصص التي أريد من التذكير بها الموعظة بما حل بأهلها، وهي قصة قوم لوط وقصة أصحاب الأيكة وقصة ثمود. وابتدئ ذلك بقصة إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- لما فيها من كرامة الله له تعريضا بالمشركين إذ لم يقتفوا آثاره في التوحيد. فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا وهو مرتبط بقوله في أوائل السورة: وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم [سورة الحجر: 4] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٥٦) ↗