سورة الحجر · الآية ٤٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { إن المتقين } الذين اتقوا طاعة الشيطان، وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { في جنات وعيون } قد احتوت على جميع الأشجار، وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات. ويقال لهم حال دخولها: { ادخلوها بسلام آمنين } من الموت، والنوم والنصب، واللغوب، وانقطاع شيء من النعيم، الذي هم فيه أو نقصانه، ومن المرض، والحزن، والهم، وسائر المكدرات، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد، متصافية متحابة { إخونا على سرر متقبلين }. دل ذلك على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلا للآخر لا مستدبرا له، متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر. { لا يمسهم فيها نصب } لا ظاهر ولا باطن، وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة، لا تقبل شيئا من الآفات، { وما هم منها بمخرجين } على سائر الأوقات. ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال: { نبىء عبادي } أي: أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة، { أني أنا الغفور الرحيم } فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم { وأن عذابي هو العذاب الأليم } أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله، الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد [الفجر: 25-26] حذروا، وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ٤٥–٥٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد روى أبو إسحاق، عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من ذلك (1) كما سيأتي في قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} [الزمر: 73] إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وقال قتادة: قال علي، رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} رواه ابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} (2) وروى النسائي وابن مردويه -واللفظ له -من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فيكون له حسرة" (3) ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: {أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أن أحدكم (4) لن يدخله عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (5) يخبر تعالى بما يخاطب أهل الجنة أهل النار إذا استقروا في منازلهم، وذلك على وجه التقريع والتوبيخ: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا [فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا] } (1) أن" هاهنا مفسرة للقول المحذوف، و"قد" للتحقيق، أي: قالوا لهم: {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} كما أخبر تعالى في سورة "الصافات" عن الذي كان له قرين من الكفار: {فاطلع
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/١٩٧) ↗التحرير والتنوير
لكل باب فريق يدخل منه، أو لكل طبقة من النار قسم من أهل النار مقسوم على طبقات أقسام النار. واعلم أن هذه الأقوال التي صدرت من الشيطان لدى الحضرة القدسية هي انكشاف لجبلة التطور الذي تكيفت به نفس إبليس من حين أبى من السجود وكيف تولد كل فصل من ذلك التطور عما قبله حتى تقومت الماهية الشيطانية بمقوماتها كاملة عند ما صدر منه قوله: لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [سورة الحجر: 39، 40] ، فكلما حدث في جبلته فصل من تلك الماهية صدر منه قول يدل عليه فهو شبيه بنطق الجوارح بالشهادة على أهل الضلالة يوم الحساب. وأما الأقوال الإلهية التي أجيبت بها أقوال الشيطان فمظهر للأوامر التكوينية التي قدرها الله تعالى في علمه لتطور أطوار إبليس المقومة لماهية الشيطنة، وللألطاف التي قدرها الله لمن يعتصم بها من عباده لمقاومة سلطان الشيطان. وليست تلك الأقوال كلها بمناظرة بين الله وأحد مخلوقاته ولا بغلبة من الشيطان لخالقه، فإن ضعفه تجاه عزة خالقه لا يبلغ به إلى ذلك. [45- 48] 48] إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) استئناف ابتدائي، انتقال من وعيد المجرمين إلى بشارة المتقين على عادة القرآن في التفنن. والمتقون: الموصوفون بالتقوى. وتقدمت عند صدر سورة البقرة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٥٤) ↗