سورة الحجر · الآية ٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته، فقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } أي آدم عليه السلام { من صلصال من حمإ مسنون } أي: من طين قد يبس، بعد ما خمر، حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه. { والجآن } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خلقناه من قبل } خلق آدم { من نار السموم } أي: من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته } جسدا تاما { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فامتثلوا أمر ربهم. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } تأكيد بعد تأكيد، ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله، وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا. { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } وهذه أول عداوته لآدم وذريته، قال الله: { يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فاستكبر على أمر الله، وأبدى العداوة لآدم وذريته، وأعجب بعنصره، وقال أنا خير من آدم. { قال } الله معاقبا له على كفره واستكباره { فاخرج منها فإنك رجيم } أي: مطرود مبعد من كل خير، { وإن عليك اللعنة } أي: الذم والعيب، والبعد عن رحمة الله { إلى يوم الدين } ففيها وما أشبهها دليل، على أنه سيستمر على كفره وبعده من الخير. { قال رب فأنظرني } أي: أمهلني { إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه، وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد، ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح لنا ما يريده منا. { قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض } أي أزين لهم الدنيا، وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى، حتى يكونوا منقادين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عدو الله: أرأيت الذي تعوذ منه؟ فهو هو. فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] (1) قال: فردد (2) ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ مرتين، فأخذ كل [واحد] (3) منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] وإني (4) والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت، بهذا تنجو مني. فقال النبي: "أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم"؟ قال: آخذه عند الغضب والهوى (5) وقوله: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه -أجارنا الله منها- وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله. قال إسماعيل بن علية وشعبة كلاهما، عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا -قال أبو هارون: أطباقا بعضها فوق بعض (6) وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم (7) عن علي، رضي الله عنه، قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها (8) وقال عكرمة: {سبعة أبواب} سبعة أطباق. وقال ابن جريج: {سبعة أبواب} أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى (9) الضحاك عن ابن عباس، نحوه. وكذا [روي] عن الأعمش بنحوه أيضا. وقال قتادة: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} وهي والله منازل بأعمالهم. رواهن ابن جرير. وقال جويبر، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مستقيم. فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بأعمالهم، كما قال الله تعالى ذكره: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] ، وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي، وأنا على طريقك، فكذلك قوله: {هذا صراط} [آل عمران: 51] معناه: هذا طريق علي، وهذا طريق إلي. وكذلك تأول من قرأ ذلك كذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٩) ↗التحرير والتنوير
والتزيين: التحسين، أي جعل الشيء زينا، أي حسنا. وحذف مفعول لأزينن لظهوره من المقام، أي لأزينن لهم الشر والسيئات فيرونها حسنة، وأزين لهم الإقبال على الملاذ التي تشغلهم عن الواجبات. وتقدم عند قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا في سورة البقرة [212] . والإغواء: جعلهم غاوين. والغواية- بفتح الغين-: الضلال. والمعنى: ولأضلنهم. وإغواء الناس كلهم هو أشد أحوال غاية المغوي إذ كانت غوايته متعدية إلى إيجاد غواية غيره. وبهذا يعلم أن قوله: بما أغويتني إشارة إلى غواية يعلمها الله وهي التي جبله عليها، فلذلك اختير لحكايتها طريقة الموصولية، ويعلم أن كلام الشيطان هذا طفح بما في جبلته، وليس هو تشفيا أو إغاظة لأن العظمة الإلهية تصده عن ذلك. وزيادة في الأرض لأنها أول ما يخطر بباله عند خطور الغواية لاقتران الغواية بالنزول إلى الأرض الذي دل عليه قوله تعالى: فاخرج منها [سورة الحجر: 34] ، أي اخرج من الجنة إلى الأرض كما جاء في الآية الأخرى قال: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر [سورة البقرة: 2] ، ولأن جعل التزيين في الأرض يفيد انتشاره في جميع ما على الأرض من الذوات وأحوالها. وضمائر: لهم، ولأغوينهم ومنهم، لبني آدم، لأنه قد علم علما ألقي في وجدانه بأن آدم- عليه السلام- ستكون له ذرية، أو اكتسب ذلك من أخبار العالم العلوي أيام كان من أهله وملئه. وجعل المغوين هم الأصل، واستثنى منهم عباد الله المخلصين لأن عزيمته منصرفة إلى الإغواء، فهو الملحوظ ابتداء عنده، على أن المغوين هم الأكثر. وعكسه قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك [سورة الحجر: 42] . والاستثناء لا يشعر بقلة المستثنى بالنسبة للمستثنى منه ولا العكس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٥٠) ↗