سورة الحجر · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته، فقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } أي آدم عليه السلام { من صلصال من حمإ مسنون } أي: من طين قد يبس، بعد ما خمر، حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه. { والجآن } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خلقناه من قبل } خلق آدم { من نار السموم } أي: من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته } جسدا تاما { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فامتثلوا أمر ربهم. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } تأكيد بعد تأكيد، ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله، وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا. { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } وهذه أول عداوته لآدم وذريته، قال الله: { يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فاستكبر على أمر الله، وأبدى العداوة لآدم وذريته، وأعجب بعنصره، وقال أنا خير من آدم. { قال } الله معاقبا له على كفره واستكباره { فاخرج منها فإنك رجيم } أي: مطرود مبعد من كل خير، { وإن عليك اللعنة } أي: الذم والعيب، والبعد عن رحمة الله { إلى يوم الدين } ففيها وما أشبهها دليل، على أنه سيستمر على كفره وبعده من الخير. { قال رب فأنظرني } أي: أمهلني { إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه، وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد، ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح لنا ما يريده منا. { قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض } أي أزين لهم الدنيا، وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى، حتى يكونوا منقادين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عدو الله: أرأيت الذي تعوذ منه؟ فهو هو. فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] (1) قال: فردد (2) ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ مرتين، فأخذ كل [واحد] (3) منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] وإني (4) والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت، بهذا تنجو مني. فقال النبي: "أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم"؟ قال: آخذه عند الغضب والهوى (5) وقوله: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه -أجارنا الله منها- وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله. قال إسماعيل بن علية وشعبة كلاهما، عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا -قال أبو هارون: أطباقا بعضها فوق بعض (6) وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم (7) عن علي، رضي الله عنه، قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها (8) وقال عكرمة: {سبعة أبواب} سبعة أطباق. وقال ابن جريج: {سبعة أبواب} أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى (9) الضحاك عن ابن عباس، نحوه. وكذا [روي] عن الأعمش بنحوه أيضا. وقال قتادة: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} وهي والله منازل بأعمالهم. رواهن ابن جرير. وقال جويبر، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله لأغوينهم، وعنى بقوله: {لأزينن لهم في الأرض} [الحجر: 39] لأحسنن لهم معاصيك، ولأحببنها إليهم في الأرض {ولأغوينهم أجمعين} [الحجر: 39] يقول: ولأضلنهم عن سبيل الرشاد {إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 40] يقول: إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه، ولا طاقة لي به، وقد قرئ: (إلا عبادك منهم المخلصين) ، فمن قرأ ذلك كذلك، فإنه يعني به: إلا من أخلص طاعتك، فإنه لا سبيل لي عليه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٨) ↗التحرير والتنوير
وضمير يبعثون للبشر المعلومين من تركيب خلق آدم- عليه السلام-، وأنه يكون له نسل ولا سيما حيث خلقت زوجه حينئذ فإن ذلك يقتضي أن يكون منهما نسل. وعبر عن يوم البعث ب يوم الوقت المعلوم تفننا تفاديا من إعادة اللفظ قضاء لحق حسن النظم، ولما فيه من التعليم بأن الله يعلم ذلك الأجل. فالمراد: المعلوم لدينا. ويجوز أن يراد المعلوم للناس أيضا علما إجماليا. وفيه تعريض بأن من لم يؤمنوا بذلك اليوم من الناس لا يعبأ بهم فهم كالعدم. وهذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار، قال تعالى: بل نقذف بالحق على الباطل [سورة الأنبياء: 18] وقال: كذلك يضرب الله الحق والباطل [سورة الرعد: 17] . فلذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها. وعطفت مقولات هذه الأقوال بالفاء لأن كل قول منها أثاره الكلام الذي قبله فتفرع عنه. [39، 40] 40] قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) الباء في بما أغويتني للسببية، و (ما) موصولة، أي بسبب إغوائك إياي، أي بسبب أن خلقتني غاويا فسأغوي الناس. واللام في لأزينن لام قسم محذوف مراد بها التأكيد، وهو القسم المصرح به في قوله: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين [سورة ص: 82] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٤٩) ↗