سورة الحجر · الآية ٢٨
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته، فقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } أي آدم عليه السلام { من صلصال من حمإ مسنون } أي: من طين قد يبس، بعد ما خمر، حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه. { والجآن } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خلقناه من قبل } خلق آدم { من نار السموم } أي: من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته } جسدا تاما { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فامتثلوا أمر ربهم. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } تأكيد بعد تأكيد، ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله، وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا. { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } وهذه أول عداوته لآدم وذريته، قال الله: { يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فاستكبر على أمر الله، وأبدى العداوة لآدم وذريته، وأعجب بعنصره، وقال أنا خير من آدم. { قال } الله معاقبا له على كفره واستكباره { فاخرج منها فإنك رجيم } أي: مطرود مبعد من كل خير، { وإن عليك اللعنة } أي: الذم والعيب، والبعد عن رحمة الله { إلى يوم الدين } ففيها وما أشبهها دليل، على أنه سيستمر على كفره وبعده من الخير. { قال رب فأنظرني } أي: أمهلني { إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه، وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد، ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح لنا ما يريده منا. { قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض } أي أزين لهم الدنيا، وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى، حتى يكونوا منقادين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر (1) تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة} أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [وهو أبو عبيدة] (2) أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة، وأن تقدير الكلام: وقال ربك. ورده ابن جرير. قال القرطبي: وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء (3) من أبي عبيدة. {إني جاعل في الأرض خليفة} أي: قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام: 165] وقال {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل: 62] . وقال {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} [الزخرف: 60] . وقال {فخلف من بعدهم خلف} [مريم: 59] . [وقرئ في الشاذ: "إني جاعل في الأرض خليقة" حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي] (4) . وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم، عليه السلام، فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فإنهم (5) إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي] (6) أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{وإذ قال ربك} [البقرة: 30] وقال ربك، وأن إذ من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف. واعتل لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر: [البحر الكامل] فإذا وذلك لا مهاه لذكره %~% والدهر يعقب صالحا بفساد
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٤٦٦) ↗التحرير والتنوير
وفائدة قوله: من قبل أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجان أسبق لأنه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة. والسموم- بفتح السين-: الريح الحارة. فالجن مخلوق من النارية والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجن، فكما كون الله الحمأة الصلصال المسنون لخلق الإنسان، كون ريحا حارة وجعل منها الجن. فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قوية. والحكمة كلها في إتقان المزج والتركيب. [28- 35] 35] وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) عطف قصة على قصة. وإذ مفعول لفعل (اذكر) محذوف. وقد تقدم الكلام في نظائره في سورة البقرة وفي سورة الأعراف. والبشر مرادف الإنسان، أي أني خالق إنسانا. وقد فهم الملائكة الحقيقة بما ألقى الله فيهم من العلم، أو أن الله وصف لهم حقيقة الإنسان بالمعنى الذي عبر عنه في القرآن بالعبارة الجامعة لذلك المعنى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٤٣) ↗