سورة إبراهيم · الآية ٢٣
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ما دعوتكم إلى الباطل، {ما أنا بمصرخكم} أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، {وما أنتم بمصرخي} أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل. وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكا لله، عز وجل. وهذا الذي قال هو الراجح (1) كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال: {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82] . وقوله: {إن الظالمين} أي: في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل {لهم عذاب أليم} والظاهر من سياق الآية: أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار، كما قدمنا. ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم -وهذا لفظه -وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين (2) الحجري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم -وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى -فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي. فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور (3) [من] (4) مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون هذا: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم (5) {وقال (6) الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [إبراهيم: 24] يقول عز ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله فأقروا بوحدانية الله وبرسالة رسله وأن ما جاءت به من عند الله حق، {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: وعملوا بطاعة الله فانتهوا إلى أمر الله ونهيه، {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] بساتين تجري من تحتها الأنهار، {خالدين فيها بإذن ربهم} [إبراهيم: 23] يقول: ادخلوها بأمر الله لهم بالدخول {تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23] وذلك إن شاء الله، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله: {تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23] قال: «الملائكة يسلمون عليهم في الجنة»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٦٣٤) ↗التحرير والتنوير
وجملة إن الظالمين لهم عذاب أليم من الكلام المحكي عن الشيطان. وهي في موقع التعليل لما تقدم من قوله: ما أنا بمصرخكم، أي لأنه لا يدفع عنكم العذاب دافع فهو واقع بكم. [23] وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) عطف على جملة وبرزوا لله جميعا، وهو انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذ بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذ من جملة الأحوال المقصودة بالوصف إظهارا لتفاوت الأحوال، فلم يدخل المؤمنون يومئذ في المنازعة والمجادلة تنزيها لهم عن الخوض في تلك الغمرة، مع التنبيه على أنهم حينئذ في سلامة ودعة. ويجوز جعل الواو للحال، أي برزوا وقال الضعفاء وقال الكبراء وقال الشيطان إلخ وقد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات، فيكون إشارة إلى أنهم فازوا بنزل الكرامة من أول وهلة. وقوله: بإذن ربهم إشارة إلى العناية والاهتمام، فهو إذن أخص من أمر القضاء العام. وقوله: تحيتهم فيها سلام تقدم نظيره في أول سورة يونس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٢٢) ↗