سورة الرعد · الآية ٣٩
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لست أول رسول أرسل إلى الناس حتى يستغربوا رسالتك، { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } فلا يعيبك أعداؤك بأن يكون لك أزواج وذرية، كما كان لإخوانك المرسلين، فلأي شيء يقدحون فيك بذلك وهم يعلمون أن الرسل قبلك كذلك إلا لأجل أغراضهم الفاسدة وأهوائهم؟، وإن طلبوا منك آية اقترحوها فليس لك من الأمر شيء. { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } والله لا يأذن فيها إلا في وقتها الذي قدره وقضاه، { لكل أجل كتاب } لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، فليس استعجالهم بالآيات أو بالعذاب موجبا لأن يقدم الله ما كتب أنه يؤخر، مع أنه تعالى فعال لما يريد. { يمحوا الله ما يشآء } من الأقدار { ويثبت } ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: { وعنده أم الكتاب } أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا، ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة. وجعل التعرض لذلك، سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الرعد ٣٨–٣٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء: 13، 14] ثم يقول: عدل -والله-فيك من جعلك حسيب نفسك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: "أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت"، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] ، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين. فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله (4) . وقوله: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} ، يقول تعالى: وجاءت -أيها الإنسان-سكرة الموت بالحق، أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، {ذلك ما كنت منه تحيد} أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص. وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} ، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل: غير ذلك. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد -سبلان-أخبرنا عباد بن عباد عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص (5) أن عائشة، رضي الله عنها، قالت: حضرت أبي وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشية فتمثلت ببيت من الشعر: من لا يزال دمعه مقنعا %~% فإنه لا بد مرة (6) مدقوق (7)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٥٩) ↗التحرير والتنوير
ويجوز أن يكون قوله: وعنده أم الكتاب مرادا به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: لكل أجل كتاب، وأن المحو في غير الآجال. ويجوز أن يكون أم الكتاب مرادا به علم الله تعالى، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيمحى أو يثبت. وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت» . وروي مثله عن مجاهد . وروي عن ابن عباس يمحوا الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء الخلق- بفتح الخاء وسكون اللام- والخلق- بضم الخاء واللام- والأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وعنده أم الكتاب الذي لا يتغير منه شيء. قلت: وقد تفرع على هذا قول الأشعري: إن السعادة والشقاوة لا يتبدلان خلافا للماتريدي. وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات. فإذا حمل المحو على ما يجمع معاني الإزالة، وحمل الإثبات على ما يجمع معاني الإبقاء، وإذا حمل معنى أم الكتاب على معنى ما لا يقبل إزالة ما قرر أنه حاصل أو أنه موعود به ولا يقبل إثبات ما قرر انتفاؤه، سواء في ذلك الأخبار والأحكام، كان ما في أم الكتاب قسيما لما يمحى ويثبت. وإذا حمل على أن ما يقبل المحو والإثبات معلوم لا يتغير علم الله به كان ما في أم الكتاب تنبيها على أن التغييرات التي تطرأ على الأحكام أو على الأخبار ما هي إلا تغييرات مقررة من قبل وإنما كان الإخبار عن إيجادها أو عن إعدامها مظهرا لما اقتضته الحكمة الإلهية في وقت ما. وأم الكتاب لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذكر في قوله: لكل أجل كتاب. فإن طريقة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٦٧) ↗