البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الرعد · الآية ٣

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، فقال: { الله الذي رفع السموت } على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، { بغير عمد ترونها } أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها، { ثم } بعد ما خلق السماوات والأرض { استوى على العرش } العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله. { وسخر الشمس والقمر } لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، { كل } من الشمس والقمر { يجري } بتدبير العزيز العليم، { لأجل مسمى } بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات، ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها. فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما، فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة فيتحسر بذلك أشد الحسرة، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وقوله { يدبر الأمر يفصل الآيات } هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره. وينزل الكتب الإلهية على رسله، ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، { لعلكم } بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية، والآيات القرآنية، { بلقآء ربكم توقنون } فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور. وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: {وهو الذي مد الأرض} أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون لسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح، من كل زوجين اثنين، أي: من كل شكل صنفان. {يغشي الليل النهار} أي: جعل كلا منهما (1) يطلب الآخر طلبا حثيثا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضا في الزمان كما تصرف في المكان والسكان. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} أي: في آلاء الله وحكمته (2) ودلائله. وقوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} أي: أراض تجاور (3) بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا. هكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وكذا يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة (4) وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات. فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل} (5) يحتمل (6) أن تكون عاطفة على {جنات} فيكون {وزرع ونخيل} (7) مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب، فيكون مجرورا؛ ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة. وقوله: {صنوان وغير صنوان} الصنوان: هي الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل، ونحو ذلك. وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه، كما جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "أما شعرت (8) أن عم الرجل صنو أبيه؟ " (9) . وقال سفيان الثوري، وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، رضي الله عنه: الصنوان: هي النخلات في أصل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٤١٣) ↗

التحرير والتنوير

وصيغ (يدبر) و (يفصل) بالمضارع عكس قوله: الله الذي رفع السماوات لأن التدبير والتفصيل متجدد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات. وأما رفع السماوات وتسخير الشمس والقمر فقد تم واستقر دفعة واحدة. [3] 3] وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين عطف على جملة الله الذي رفع السماوات فبين الجملتين شبه التضاد. اشتملت الأولى على ذكر العوالم العلوية وأحوالها، واشتملت الثانية على ذكر العوالم السفلية. والمعنى: أنه خالق جميع العوالم وأعراضها. والمد: البسط والسعة، ومنه: ظل مديد، ومنه مد البحر وجزره، ومد يده إذا بسطها. والمعنى: خلق الأرض ممدودة متسعة للسير والزرع لأنه لو خلقها أسنمة من حجر أو جبالا شاهقة متلاصقة لما تيسر للأحياء التي عليها الانتفاع بها والسير من مكان إلى آخر في طلب الرزق وغيره. وليس المراد أنها كانت غير ممدودة فمدها بل هو كقوله: الله الذي رفع السماوات، فهذه خلقة دالة على القدرة وعلى اللطف بعباده فهي آية ومنة. والرواسي: جمع راس، وهو الثابت المستقر. أي جبالا رواسي. وقد حذف موصوفه لظهوره فهو كقوله: وله الجوار، أي السفن الجارية. وسيأتي في قوله: وألقى في الأرض رواسي في سورة النحل [15] بأبسط مما هنا. وجيء في جمع راس بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل، ووزن فواعل يطرد فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل: صاهل وبازل. والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية، كما قال تعالى: وإلى الجبال كيف نصبت [الغاشية: 19] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٨٢) ↗