سورة الرعد · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: مفرقا بين أهل العلم والعمل وبين ضدهم: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق } ففهم ذلك وعمل به. { كمن هو أعمى } لا يعلم الحق ولا يعمل به، فبينهما من الفرق، كما بين السماء والأرض، فحقيق بالعبد أن يتذكر ويتفكر، أي الفريقين أحسن حالا وخير مآلا، فيؤثر طريقها، ويسلك خلف فريقها، ولكن ما كل أحد يتذكر ما ينفعه ويضره. { إنما يتذكر أولوا الألباب } أي: أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، الذين هم لب العالم، وصفوة بني آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } الذي عهده إليهم، والذي عاهدهم عليه من القيام بحقوقه كاملة موفرة، فالوفاء بها توفيتها حقها من التتميم لها، والنصح فيها، { و } من تمام الوفاء بها أنهم { لا ينقضون الميثاق } أي: العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد. فلا يكون العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم، إلا بأدائها كاملة، وعدم نقضها وبخسها. { والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل } وهذا عام في كل ما أمر الله بوصله، من الإيمان به وبرسوله، ومحبته ومحبة رسوله، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، ولطاعة رسوله. ويصلون آباءهم وأمهاتهم، ببرهم بالقول والفعل، وعدم عقوقهم، ويصلون الأقارب والأرحام، بالإحسان إليهم قولا وفعلا. ويصلون ما بينهم وبين الأزواج والأصحاب والمماليك، بأداء حقهم كاملا موفرا، من الحقوق الدينية والدنيوية. والسبب الذي يجعل العبد واصلا ما أمر الله به أن يوصل، خشية الله وخوف يوم الحساب، ولهذا قال: { ويخشون ربهم } أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به، خوفا من العقاب ورجاء للثواب. { والذين صبروا } على المأمورات بالامتثال، وعن المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي {أنزل إليك} يا محمد {من ربك} هو {الحق} أي: الذي لا شك فيه ولا مرية ولا لبس فيه ولا اختلاف فيه، بل هو كله (1) حق يصدق بعضه بعضا، لا يضاد شيء منه شيئا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق (2) ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له، ولا صدقه ولا اتبعه، كما قال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] وقال في هذه الآية الكريمة: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء. (3) وقوله: {إنما يتذكر أولو الألباب} أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة (4) جعلنا الله منهم [بفضله وكرمه] . (5) يقول تعالى مخبرا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة، بأن لهم {عقبى الدار} وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} من صلة الأرحام، والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، {ويخشون ربهم} أي: فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة. فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية. {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} أي: عن المحارم والمآثم، ففطموا (6) نفوسهم عن ذلك لله عز
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يعلم ما ألزمه الله من فرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٠٦) ↗التحرير والتنوير
وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم. وتقدم نظير قوله: لو أن لهم ما في الأرض جميعا في سورة العقود [36] . وأتي باسم الإشارة في أولئك لهم سوء الحساب للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة. وسوء الحساب ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب. وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل. [19] أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) تفريع على جملة للذين استجابوا لربهم الحسنى الآية [سورة الرعد: 13] . فالكلام لنفي استواء المؤمن والكافر في صورة الاستفهام تنبيها على غفلة الضالين عن عدم الاستواء، كقوله: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [سورة السجدة: 18] . واستعير لمن لا يعلم أن القرآن حق اسم الأعمى لأنه انتفى علمه بشيء ظاهر بين فأشبه الأعمى، فالكاف للتشابه مستعمل في التماثل. والاستواء المراد به التماثل في الفضل بقرينة ذكر العمى. ولهذه الجملة في المعنى اتصال بقوله في أول السورة والذي أنزل إليك من ربك الحق- إلى- يؤمنون [سورة الرعد: 1] . (1) وجملة إنما يتذكر أولوا الألباب تعليل للإنكار الذي هو بمعنى الانتفاء بأن سبب عدم علمهم بالحق أنهم ليسوا أهلا للتذكر لأن التذكر من شعار أولي الألباب، أي العقول. والقصر ب أنما إضافي، أي لا غير أولي الألباب، فهو تعريض بالمشركين بأنهم لا عقول لهم إذ انتفت عنهم فائدة عقولهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٢٣) ↗