سورة يوسف · الآية ٧١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف { آوى إليه أخاه } أي: شقيقه وهو " بنيامين " الذي أمرهم بالإتيان به [و] ضمه إليه، واختصه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و { قال إني أنا أخوك فلا تبتئس } أي: لا تحزن { بما كانوا يعملون } فإن العاقبة خير لنا، ثم خبره بما يريد أن يصنع ويتحيل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر. { فلما جهزهم بجهازهم } أي: كال لكل واحد من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا. { جعل السقاية } وهو: الإناء الذي يشرب به، ويكال فيه { في رحل أخيه ثم } أوعوا متاعهم، فلما انطلقوا ذاهبين، { أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } ولعل هذا المؤذن لم يعلم بحقيقة الحال، { قالوا } أي: إخوة يوسف { وأقبلوا عليهم } لإبعاد التهمة، فإن السارق ليس له هم إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه، لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاءوا مقبلين إليهم، ليس لهم هم إلا إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: { ماذا تفقدون } ولم يقولوا: " ما الذي سرقنا " لجزمهم بأنهم براء من السرقة، { قالوا نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير } أي: أجرة له على وجدانه { وأنا به زعيم } أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذن المتفقد. { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض } بجميع أنواع المعاصي، { وما كنا سارقين } فإن السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم، وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم، وهذا أبلغ في نفي التهمة، من أن لو قالوا: " تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق ". { قالوا فما جزآؤه } أي: جزاء هذا الفعل { إن كنتم كاذبين } بأن كان معكم؟ { قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو } أي: الموجود في رحله { جزاؤه } بأن يتملكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا: { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: {أيتها العير إنكم لسارقون} فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: {ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك} أي: صاعه الذي يكيل به، {ولمن جاء به حمل بعير} وهذا من باب الجعالة، {وأنا به زعيم} وهذا من باب الضمان والكفالة. لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف: {تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ (1) عرفتمونا، لأنهم (2) شاهدوا منهم سيرة حسنة، أنا ما جئنا للفساد في الأرض، وما كنا سارقين، أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال (3) لهم الفتيان: {فما جزاؤه} أي: السارق، إن كان فيكم {إن كنتم كاذبين} أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه (4) ؟ {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين} وهكذا كانت شريعة إبراهيم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. وهذا هو الذي أراد يوسف، عليه السلام؛ ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتشها قبله، تورية، {ثم استخرجها من وعاء أخيه} فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزاما لهم بما يعتقدونه؛ ولهذا قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف} وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وقوله: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره. وإنما قيض الله له أن (5) التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم؛ ولهذا مدحه تعالى فقال: {نرفع درجات من نشاء} كما قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} [المجادلة: 11] . {وفوق كل ذي علم عليم} قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم، حتى ينتهي إلى الله عز وجل. وكذا روى عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذي تفقدون؟ {قالوا نفقد صواع الملك} [يوسف: 72] يقول: فقال لهم القوم: نفقد مشربة الملك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٢٤٨) ↗التحرير والتنوير
إخوتهما بقرينة المقام، وأراد بذلك ما كان يجده أخوه (بنيامين) من الحزن لهلاك أخيه الشقيق وفظاظة إخوته وغيرتهم منه. والنهي عن الابتئاس مقتض الكف عنه، أي أزل عنك الحزن واعتض عنه بالسرور. وأفاد فعل الكون في المضي أن المراد ما عملوه فيما مضى. وأفاد صوغ يعملون بصيغة المضارع أنه أعمال متكررة من الأذى. وفي هذا تهيئة لنفس أخيه لتلقي حادث الصواع باطمئنان حتى لا يخشى أن يكون بمحل الريبة من يوسف- عليه السلام-. [70- 75] فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) تقدم الكلام على نظير قوله: فلما جهزهم بجهازهم في الآيات قبل هذه. وإسناد جعل السقاية إلى ضمير يوسف مجاز عقلي، وإنما هو آمر بالجعل والذين جعلوا السقاية هم العبيد الموكلون بالكيل. والسقاية: إناء كبير يسقى به الماء والخمر. والصواع: لغة في الصاع، وهو وعاء للكيل يقدر بوزن رطل وربع أو وثلث. وكانوا يشربون الخمر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٧) ↗